فلسطين بوصلة العالم
يحفر مازن كرباج بلونين العالم المتورط في إبادة أهل غزة وأطفالها. يقسمه إلى طرفين: مع أو ضد. لا مكان للوسط فيهما. لا منتصف. لا مكان للسؤال، حول بديهيات، يراد منها في العالم الميديوي وسياسات الدول الاستعمارية، أن تكون تحت مجهر الشكوك. فقتل جنين في بطن أمه، وقتل مدنيين عُزّل وتجويعهم، وإبادتهم بالصواريخ وتدمير بيوتهم ومستشفياتهم وحاراتهم وحياتهم، لا مجال لنقاشه. الإبادة لا نقاش فيها. هناك جزار وجيشه وعتاده وداعموه، وهناك الضحايا. يدعونا نحن المتفرجين أن نجد مكاننا. مع أو ضد. لا ثالث لهما. كما اللونان اللذان اختارهما: أبيض وأسود. وهنا يذكرنا بشيء ما، بعالم الخير والشر. وهنا يبعدنا كرباج عن طروحات كتبه السابقة التي دائماً ما تتماوج فيها الخيارات والالتباسات. أما هنا، فلا التباس.
تركيبة قصدية
لونان لا ثالث لهما. أبيض وأسود. أبيض للكلام والصمت معاً، وأسود للغضب والحداد، مثل منشور اتهام عالي النبرة واليأس. أشبه بتلك البيانات الخارجة لتوها من غرفة مغلقة، حادة، وحارة ومباشرة، تريد شيئاً واحداً: الإدانة والصراخ، من دون فذلكة ومن دون مواربة أو رسائل مبطنة. هي تركيبة قصدية، يعرف من خلالها كرباج أنه يصل مباشرة الى عقولنا، وربما عقول من يشكك، ضحايا الحرب الإعلامية الكبرى وسياسات الدول الغربية والعربية معاً، في جعل ما يجري في غزة مجرد حرب بين طرفين وأن ما يجري عادي، لأن في الحرب هناك مآس. هو يفهمنا أن لا حرب هنا، بل محاولة إبادة مستمرة، هدفها مسح الغزيين عن الوجود. وقبل كل شيء مسح إنسانيتنا بجعلها قصيرة التذكر وبجعلها أشبه بالستوري التي تنشر على انستغرام فتختفي بعد انقضاء 24 ساعة على نشرها. يريدنا في رسومه أن لا ننسى هذه الصور وأن تحرك في خيالنا، كما في واقعنا، قدرتنا على المواجهة والتذكر والرؤية من مكان أعمق من العين.
هل تروننا حقاً؟ وهو سؤال صريح ومؤسس في طرح كتاب كرباج الأخير. فما نظن أننا نراه عبر شاشات التلفزيون والسوشيل ميديا وعبر الريلز والسكرولينغ المستمر، لا يجعلنا نرى. بل أشبه بماكينات تشاهد. ولا تدخل المشاهد حياتها. بل كأن عملية المشاهدة هي عملية محو في نفس الوقت. نرى/نمحو… نمحو/نرى، وهكذا دواليك. في استمرار أشبه بعملية التنقل الدائم في صفحات إنستغرام. خوفاً من التورط. وهنا يريدنا كرباج أن نتورط، ليس هذا التورط الاعتباطي، بل ذاك الذي يجعلنا لا ننسى وكي نبقى شهوداً. كما بقي شهود المحرقة اليهودية إلى يومنا آخر شهادة عما فعلته نازية أوروبا باليهود العزل. يريدنا أن نبقى يقظين الى دورنا كشهود.
خطاب الهشاشة
وعلى الرغم من أن كرباج معروف بفكاهيته السوداء، الا أنه هنا في كتابه «غزة، هل تروننا حقاً؟»، لا يحاول عقلنة أفكاره ورسومه وكلماته ولا يريد تفكيه تدبيجاته أو جعلها شبيهة بمزاجه الذي عرف به. هو يخاطب العالم بهذه الهشاشة المرة التي يعايشها الكائن منا أمام الدم والموت والحطام. بتلك الرعونة التي لا مكان للسخرية فيها. بل فقط أصابع هزيلة تريد أن تقول شيئاً بسيطاً في عالم يريدك أن لا تقول. بل يريدك أن تخوض معه القتل بصمت وأن تزيح عينيك وتواري النظر، وتنشغل في يومياتك من خلف الشاشة. أن تفكر باليوغا وبحيوانات الرنة وبطيور منقرضة في غابات الأمازون، وبزهرة بتيجان غريبة في جبال الهيمالايا. أن تفكر لا أن تحس. أن ترى وأن لا تبادر. أن تصير مجرد أداة متفرجة في سيرك القتل اللامتناهي.
ولأن لغة كرباج في كتابه الجديد، لا تأويل فيها، الا أنها تضمر في طبقاتها، لغة الذين تطمر أصواتهم. أي المخنوقين، والذين تسد أفواههم ولا يعودون قادرين على الكلام والتعبير. وأحياناً لأن الفجيعة أكبر من الكلام. تصير رسوم كرباج، وأحياناً فضاؤها الأبيض ببعض خطوط وكلمات بسيطة، أشبه بصمت اليائسين وليس بيدهم حيلة. لكن ما يحاول كرباج قوله، أنه يدعونا الى معاودة إحساسنا بالإبادة وعدم التطبيع معها، على كونها مستمرة وأننا مجرد متلقّين سلبيين. بل هو بهذه الرسوم، يسائل الانسان في وجوده، عن رؤاه في عالم يبيد بشراً ويريدنا أن نطوع الفكرة في عقولنا ونبتعد عنها كونها تؤرقنا. تؤرق أحلامنا ويومياتنا وتؤثر على نوعية الغذاء الذي نتناوله. هو يريدنا أن نتورط بهذا التفرج كي لا نصير مجرد علب زجاجية باردة، يريدنا أرواحاً تشعر وتتفاعل وتعارض وتحتج. لأنه لا يكفي أن نرى بالعين والبصر، بل يريدنا أن نرى بالبصيرة. وكأنه يستعير من علي بن ابي طالب جملته: فقد البصر أهون من فقدان البصيرة.
«من المُخيف أن نعرف أننا نعيش في ديستوبيا حقيقية»
«صمت العالم أشدّ رعبًا من ضجيج القنابل»
«وجه ذلك الصبي في المستشفى يُطاردني. كيف لي أن أجسّد ارتعاشاته»
الفاك يو
فلسنتعر تلك الفاك يو من مازن كرباج. لنأخذها هكذا كما هي غضة ولينة وطرية. مثل وردة سوداء نرميها في وجه العالم. لأننا مدنيون لا نملك صواريخ ولا أسلحة ولا رصاصاً ولا حجارة ولأننا أيضاً عاجزون ومتعبون وليس لنا سوى هذه الشتيمة. لأننا لا نملك قوة الغزيين الذين من داخل الركام يخرجون ويبتسمون ويبكون بدموع، تنزل من أنصاف أعين وبتلويحات بأنصاف أيدٍ وبأنصاف أجساد يقفزون بين الرماد والردم والغبار، ويرقصون للحياة، بقوة وإصرار يُعَدّان درساً لوجودنا.
فلنستعر هذه الفاك يو، أمامهم وبوجوههم لأننا نعيش تحت قوانينهم ونظامهم وفي منظومة سلوكياتهم وقيمهم. وأقصد هنا الأوروبيين تحديداً، نحن الذين في بلادهم ولم يعد بيدنا حيلة ولم يعد لنا صوت ولا بحة حتى. سوى هذه الفاك يو، كسدّ منيع بيننا وبينهم، كبحر هائج، غاضب.
فلنستعر تلك الفاك يو بكامل بساطتها. بسلاستها مثل خيط ماء. هكذا بكل ما فيها من دلالات وتصويب. بكل ما تضمره من قهر وعجز. بكل ما فيها من استهداف معنوي. بقدرتها الساحرة على توظيف هذا الألم والغضب والحسرة والشدة والحنق والانفعال والحقد والكمد والكيد والامتعاض والاضطراب والغيظ والبرطمة.
فلنستعرها، بكليتها. طلقة لا تقتل، بل تصرخ وتدين وتتهم وتأثم وتجرم وتستنكر.
بتفكيكها. بتوزيعها. بتفريقها.
فاك.
إند
يو.
أي أن هناك فعلاً وهناك هدفاً. فعل يسوي علاقتنا مع هذا الخراب المعنوي والقيمي الذي نعيش فيه. ومع هذا العالم الذي جرحنا وأقصانا ونكّل بنا، بعد أن أباد أهل غزة ولا يزال يستمر بذلك وبعد أن جعلنا في بلادهم هنا، نرتج ونتهشم ونخاف ونزيح ونتردد. ونعيد نظرنا بوجودنا بينهم ومعهم. بعلاقتنا بين بلادنا وبين بلادنا الجديدة. بين بلادنا التي تركناها قائلين أننا قد نجد هنا مكاننا وصوتنا وقد تغدو هذه البلاد بعد أن استثمرنا الوقت والجهد وعشنا تحت طقسها «الخرائي» وغيمها السميك، آملين بأن تكون بلادنا. لكننا اكتشفنا أننا مجرد هوامش، وأن مصائبنا تافهة أمامهم وليست مهمة والتنصل منها سهل بكلمتين: مسألة معقدة.
نحن فقط مسائل معقدة لهم، وهم غير قادرين حتى على مواساتنا. ولا على الطبطبة على أكتافنا. بل لدى بعضهم القدرة التامة على شطبنا من حياته، لأن مآسي بلادنا وحديثنا عن الإبادة المستمرة بحق الفلسطينيين وقتل الجنوبيين في لبنان، يقلق حياتهم. يقلق مثلثها القائم على العمل والهوبيز والسهر والإجازة.
ما قبل غزة ليس مثل ما بعده. ونحن ممتنون لغزة، لأنها كشفت كل شيء. لأنها فضحتهم أمامنا. وصار هناك عالمان: عالم مع غزة وعالم ضد غزة، أي قتلتها وغزاتها والساكتون عما يحصل فيها، والمتفرجون عليها أو الذين يضعون أياديهم على عيونهم، يحاولون تغبيش الصور التي تأتي من هناك.
لهذا فلنستعر من مازن كرباج، تلك الفاك يو. حاسمة. مختصرة. شاملة. شافية.
لنفككها كي تكون مانيفستو من كلمتين. لعالم، صغر مثل حبة أمام غزة وألمها وصار مجرد وحش قزم. نمقته ونكرهه ويفقدنا السيطرة على حياتنا.
فلنستعر من مازن كرباج مسبته. شتيمته. سلاحه. كي نقول معه ما عجزنا عن قوله لرفاق وعشاق وشركاء سرير ومحادثين على تندر وغرايندر وأحبة ظننا أنهم أحبة ومحيطون وجيران وزملاء عمل، ومدراء ومؤسسات ومنظمات دولية وغير دولية ودور نشر وصحف ورقية ورقمية وصحافة بديلة وتلفزيونات وقنوات يوتيوبية وعلماء وممثلون ونجوم وفنانون حداثويون وما بعد حداثويين وكلاسيكيون وتجريبيون وغير تجريبيين. لدول وملوك وأباطرة، ومشايخ وبطاركة.
فاك يو، كبيرة، ضخمة، عارمة، مثل قنبلة نووية.