تعليق مصر
رشا عزب

10 سنوات في حظيرة «المتّحدة»

دراما مهذّبة وشاشات للمتحرّشين

25 شباط 2026

قبل سنوات هاتفتني إحدى الزميلات الصحافيات، لتقول لي جملةً واحدةً: احنا نمنا بالليل وكنّا بنشتغل في مؤسّسة صحفية وصحينا الصبح لقينا نفسنا بنشتغل في مؤسّسة تانية خالص، شوفتي اللي حصل!

كانت مكالمةً هيستيريةً، ولم أستطع الحدّ من غضبها تجاه ما حصل. ضحكَتْ وصرخَتْ في نفس اللحظة، ثم أغلقت الهاتف وذهبت تجد حلّاً لهذه المصيبة. علمتُ بعد ذلك أنّها تركت الصحافة كلّياً وهاجرت إلى خارج مصر، بينما اضطرّ العشرات من زملائنا إلى العمل في المؤسّسة الجديدة. ما حدث مع صديقتي حدث مع آلاف الصحافيين في مصر، حيث كانوا يعملون في صحفٍ خاصّة وغير تابعة للدولة بشكلٍ أو بآخر، ثم استيقظوا في يومٍ من الأيّام ليجدوا أنفسهم يعملون في «المتّحدة» للخدمات الإعلامية، والتي يملكها جهاز المخابرات، إلى جانب 49 مؤسّسةً إعلاميةً أخرى تمّ شرائها بالذوق أو بالعافية من أصحابها، وصارت جميعها تحت مظلّة واحدة: «إعلام الجهات السيادية». وكان الزميلات والزملاء جزءاً من الصفقة، مثل علامة الجريدة وممتلكاتها، من دون أن يختار أحدٌ منهم العمل تحت هذه المظلّة، ومن دون أن تكون لهم القدرة على الاختيار ما بين العمل بالشروط الجديدة أو الطرد وفقدان الوظيفة بين ليلةٍ وضحاها.


يسجّل هذا العام مرور عشر سنوات كاملة لدخول الإعلام المصري حظيرة «الشركة المتّحدة». خلال هذا العقد، صُبغت كلّ الشاشات بصوتٍ واحد، وشعارات مكرّرة، وخطاب سياسي ضحل، ومحاولات بائسة لاستنساخ إعلام عبدالناصر، مع فشل الشعارات القومية مثل التي استخدمها العصر الناصري. حتّى بقايا القوميين الموجودين في جناح الدولة الحالية، حاولوا خلق أهداف قومية للنظام الحالي، ولكن من دون جدوى. فمنذ بيع جزيرتَي تيران وصنافير وعمليّات السمسرة العلنية على معبر رفح خلال الإبادة، قُتلت كلّ الدعاية القومية الممكنة، وانتهت الأسطورة القومية مع بيع أفضل شواطئ تملكها مصر على البحر المتوسّط لسداد الديون.

الجميع يعلم أنّ الدولة تفعل أي شيء لتزيد حصيلة الأموال الساخنة، وأنّ السياسة الحالية مبنيّة كلها على الاقتراض طبقاً لمصالح المموّلين. حتى قرار صوم البلاد في رمضان يرى الجمهور أنّه قرارٌ سياسي. كنتُ مصادفةً في محلّ وسأل أحد الزبائن عن نتيجة رؤية الهلال، فردّ زبون آخر وقال: «شوفوا مين بيدفع لنا دلوقت هتعرفوا»، وضحك الجميع. إلى هذه الدرجة يرى المواطن أنّ الإدارة السياسية تتحكّم في كل شيء، بالإضافة لكونها إرادة مباعة لمن يدفع. المفارقة أننا نصوم هذا العام مع تركيا التي تشهد العلاقات السياسية معها انتعاشاً ملحوظاً.

ظلّت «الشركة المتّحدة» وتحوّلاتها معياراً كاشفاً لطريقة حكم البلاد. فالشركة التي تتصوّر أنّها تتحكّم وحدها في شاشات المصريين، جاءت بعد سنوات من التعدّدية والتنوّع في الإنتاج التلفزيوني والدرامي مع ثورة يناير. ففي المرحلة الفاصلة بين انتهاء سطوة ماسبيرو، وظهور «المتّحدة»، عاش الإعلام المصري عصره الذهبي بلا منازع، خاصّةً السنوات التالية للثورة، فلم ينسَ الجمهور شاشات رمضان 2012 و2013 وما استطاع تقديمه الإعلام المصري والدراما، لمجرّد أنّ القيود رُفعت ولم يكن هناك خطوط حمراء على كلّ موضوع أو كل ضيف وفكرة.

حينها انطلقت الطاقات الحرّة نحو نقد الواقع بلا إرهابٍ من الدولة وبلا تهديدات من الجهات الأمنية التي كانت آنذاك تراقب ملف الإعلام، وصارت الآن تديره رسمياً. فالحريّة والتطوّر اللذان رأيناهما جميعنا بعد الثورة، كانا كابوساً على الديكتاتورية العنيدة الرابضة في مكامنها، والتي استطاعت ابتلاع كلّ هذا النمو، بالعنف الواسع نحو كلّ فئات المجتمع المصري، لتفرض خطاباً وحيداً يمجّد القائد على طول الطريق، ويعظّم من الإنجازات الوهمية، ويخفي صوت الجمهور بجلافة وحماقة، ويتعالى على احتياجات الناس وأزماتهم اليومية، ما أدّى إلى عزوف الجمهور عن نفس القنوات التي كان يتابعها من قبل. لجأ الناس إلى الإنترنت، وهي مساحة لم تكن موجودة في عصور الديكتاتوريات السابقة، وصارت مساحتهم البديلة، وحين صار المواطن مؤثّراً، تمترست القوانين الجديدة ونيابة أمن الدولة العليا بحبس الجميع بتهمة مكرّرة وحيدة: نشر الأخبار الكاذبة. ونشطت المحكمة الاقتصادية في حبس وتغريم الجميع بلا استثناء، مؤثّرين وكتّاب وصحافيين وساسة وربّات بيوت…

حاولت «المتّحدة» نسخ طريقة بناء ماسبيرو، مع فارق أنّ ماسبيرو عبّر عن لحظته: البثّ التلفزيوني والإذاعي. وسيطان تحتكرهما الدولة، ومصدر معلوماتهما الدولة، ولكنّ «المتّحدة» التي تأسّست لهزم الثورة إعلامياً ولكبح النشاط الإعلامي الحرّ، تجاهلت اللحظة التي وُلدت فيها، حيث يمتلك كلّ إنسان جهاز بثٍّ شخصي.

لذلك كان الاضطراب هو السمة الأساسية الحاكمة لهذه المؤسّسة التي جيّشت عدداً كبيراً من الانتهازيين محدودي الموهبة لقيادة المؤسّسات الإعلامية. وكان لا بدّ أن يكونوا محدودين، من أجل طاعة كلّ الأوامر وتنفيذ كل أحلام القيادة. هكذا مرّت المؤسّسة، في عشر سنوات، بثلاث مراحل:

  • الأولى: قيادات أمنية على رأس العمل الإعلامي؛ تجنيد الصحافيين وتهديدهم؛ انقسام الإعلاميين بين عدد من الضبّاط… وقد سقطت هذه التجربة سريعاً بعد الخسائر الاقتصادية الفادحة لـ«الشركة المتّحدة».
  • الثانية: محاولة توزيع السلطة بين فريقَين، الضابط العميد الذي ظهر وحده يدير كل المؤسّسات الإعلامية، بالإضافة إلى فريق من ذوي الخبرة من أصحاب الوكالات الإعلانية وإدارة الشركات، وانتهت هذه المرحلة بعدما غضب الرئيس من المحتوى الدرامي، إلى أن دخلنا المرحلة التالية.
  • الثالثة: انفتاح على الشكل مع انحياز كامل لإدارة القطاع الخاص، مع تولّي أبرز رجال الإعلانات في مصر قيادة «المتّحدة»، وفرض المحتوى الدرامي الذي يرضي الرئيس لدرجة أنّ مسلسلات توقّف تصويرها من أجل تعديل السيناريو طبقاً للتعليمات الجديدة. وفي إطار سياسات القطاع الخاص التي تحكم «المتّحدة»، تمّ التخلّص فجأةً من عشرات الصحافيين من دون منحهم حقوقهم. فمن يواجه شركة المخابرات؟

جاءت طبخة هذا العام من المنتجات الدرامية الرمضانية بما يتوافق مع توجّهات الرئيس: مسلسلات مهذّبة لا يظهر فيها الفقر المدقع الذي أحدثته سياسات هذا النظام، ولا تعرض أزمة المخدّرات المفتعلة المنتشرة بشدّة بين الشباب، ولكنّها منحازة وبشكلٍ واضح لعددٍ من المتّهمين بالتحرّش. أمّا القناة التي كانت توجّهاتها ليبرالية قبل وبعد الثورة، فقد بثّت برنامجاً جماهيرياً لتميم يونس المتّهم بالتحرّش والاغتصاب الزوجي، بينما حاولت النساء الضغط على القناة بالإرث الذي يحمله المذيع. لكن يبدو أنّ تميم وأمثاله هم خير مَن مثّل «قيَم الأسرة» المصرية التي ترعاها «الشركة المتّحدة». وقبل ذلك بأيّام، استطاعت إحدى القنوات التي ظهرت في عهد «المتّحدة»، أن تستضيف المتّهم بالتحرّش بالشابة مريم شوقي التي صوّرت واقعة التحرّش بها في الأوتوبيس بعد مطاردتها لأيام.

الرسالة المباشرة من هذه الممارسات، أنّ صناع الإعلام في مصر غير مهتمّين بأيّ معايير سوى ركوب الترند وإظهار الولاء للقيادات. كلّ شيءٍ مباحٌ طالما لا يتحدّثون في السياسة. أمّا «المتّحدة» فهي غير مهتمّة بمعايير لم يضعها الرئيس بنفسه. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

10 سنوات في حظيرة «المتّحدة»

رشا عزب
مسلسلات رمضان 2026
24-02-2026
تقرير
مسلسلات رمضان 2026
بخمس أرواح: اللعب مع «الشعبيّ»
حدث اليوم - الثلاثاء 24 شباط 2026
24-02-2026
أخبار
حدث اليوم - الثلاثاء 24 شباط 2026
ما علاقة إبستين بتوقيف السفير البريطاني السابق في أميركا؟
توتّر فرنسي أميركي بسبب تشارلز كوشنر
«يوم غضب» في أوجيرو: الموظفون يطالبون بحقوقهم
24-02-2026
تقرير
«يوم غضب» في أوجيرو: الموظفون يطالبون بحقوقهم