تعليق مصر
رشا عزب

مع الخاسرين، ذلك أفضل

16 آذار 2026

الحرب لعنة، تُصيب الجميع في مراقدهم، خاصّةً أولئك الذين ليسوا طرفاً فاعلاً فيها.

تنشر الحروب حالة استقطاب وبائية في المجتمعات، تقدّم أسوأ ما فينا وتختبر أضعف ما فينا، وتضع الجميع على منصّات لإطلاق الصواريخ. يتحزّب كلّ شخص في معسكره ويدافع عنه كأنّه يقف على جبهة القتال. الساسة دائماً يتكلّمون عن النصر القريب، والناس يُسحَقون في صمت تحت خراب الحرب، يُدرِكون ألّا منتصرَ على الأرض، وأنّ الكلّ مهزوم.

انت مع مين؟ السؤال الذي يؤرق الجميع في بلادنا، هنا في الشارع المصري. مع الاحتلال والاستعمار أم مع المقاومة؟ مع المقاومة أم مع دول الخليج؟ مع القواعد الأميركية أم ضدّها؟ ضدّ العدوان الأميركي أم ضدّ الضربات الايرانية؟

عشرات الأسئلة التي تضعنا جميعنا في خندق الاستقطاب الحادّ، فُرضَت علينا، ولم نستطع خلق إجابة شافية تنطلق من واقعنا ومصالحنا، ولا سألنا أنفسنا مَن المستفيد من كلّ هذا.

مَن المُستفيد من إخضاع إيران في مواجهة الاحتلال؟ مَن المُستفيد من تحويل قائد ديكتاتور تُحرَق صوره في شوارع طهران إلى شهيدٍ منزَّه؟ ومَن المستفيد من بناء قواعد عسكرية للدولة العظمى للحماية، فتتحوّل إلى أهداف استراتيجية للعدوان؟ والمواطنون يدفعون ثمناً لحمايةٍ لم تحدث، ولشراكةٍ لا تفيد سوى الاحتلال وحليفه الاستعماري.

مثلي مثل كثيرين، تعرّضتُ لدعاية الحرب، وبحثتُ عن ركنٍ أطمئِنّ إليه في المعركة الحالية، من دون أن أشعر أنّني في صف الحقّ في أيّ ركنٍ منها، اللهم إلّا الموقف الواضح من الاستعمار والاحتلال واللذَين لم يتّحد العرب في مواجهتهما حتّى الآن. وهنا بيت القصيد دائماً وأبداً.

حصيلة الأخبار التي تصل إلينا من كافّة أطراف المعركة منقوصة ومهندسة ولا ترقى إلى 10% من حقيقة ما يدور.

يبحث الناس على مدار الساعة عن أخبارٍ كبيرة وجديدة ومشاهد للمعركة العمياء حتّى لو كانت مختلقة بالذكاء الاصطناعي، من دون أن يبحث أحد عن الملايين المحجوبين قسراً في إيران، وهم يواجهون أكبر ترسانة عسكرية في العالم، القوّة الضاربة والأسلحة الجديدة الفتّاكة. لم نسمع بعد صوت هذا الشعب الذي خرج قبل أشهرٍ منفجراً من الأوضاع الاقتصادية، وها هو يتحمّل مرارة الحرب بعد انقطاع الإنترنت، ولا يجد شعب الـ90 مليون مَن يعرض واقعه الذي تزيد الضربات من بؤسه.
بالتوازي، وفي نفس الوقت الذي يتعارك فيه الساسة في لبنان على سلاح حزب الله والسيادة المهدّدة، ينزح مئات آلاف اللبنانيين من منازلهم في الجنوب والضاحية الجنوبية إلى المجهول، و ينزح معهم موت جديد على كورنيش بيروت، والدولة لا تملك خطّةً للتعامل مع هذه الكارثة.
أمّا في دول الخليج، فالأوضاع أكثر تعتيماً، نظراً للسيطرة الكاملة على الأخبار وحظرها تماماً. لا تزال مؤسّسات الإعلام في الخليج تتعامل بنكران وكأنّ الأحداث الكبرى لا تدور تحت استديوهاتها. كلّ خبر في هذه المعركة يحمل وجهَين وثلاثة وعشرة. المهمّ هو أين موقعك، وأنت تنظر إلى لوحةٍ من لوحات نهاية العالم.


الموقف الرسمي المصري المعزول شعبياً يُدين العدوان الإيراني على الدول العربية كلّ يوم تقريباً، من دون إدانة الهجمات الصهيونية الأميركية بَعد، رغم كونهم الأطراف التي بدأت بالحرب. بعيداً عن هذا الموقف، تتنوّع مواقف المصريين بتنوّع المجتمعات والمشارب.

فمصر الشعبية أمّنت على الصكّ الأساسي الذي صدر في أحد الأفراح البلدي في أوّل أيام الحرب: «اللي عنده فول وطعمية أحسن من اللي عنده قواعد أمريكية»، وهكذا حسمَت القاعدة الكبيرة الفقيرة موقفها من أصل الكارثة، ولا عزاء للتحليل الاستراتيجي. أمّا النخبة فقد انقسمَت ثلاثين قطعةً كالعادة. تلوّنت الحقائق وتحوّلت إلى هلاوس لدى البعض، من وطأة الخوف.

بعد يومَين من الحرب صرختُ في إحدى صديقاتي، هي المولودة والمترعرعة في جدّة في السعودية، وقد انهارَت من شماتة المصريين المعلَنة الفجّة في ضرب السعودية والخليج العربي، واستنكرَت التهليل لضرب المدنيين والعمّال. سألتها عن عدد المدنيين الذين لقوا حتفهم في الضربات، قالت اثنَين من العمّال الآسيويين في أبو ظبي. حاولَت صديقتي الدفاع عن البلد الذي تربّت فيه، وهذا حقّ. تحدَّثَت عن الأيّام الصعبة التي قضوها وهم يلبسون أقنعة الغاز في المنازل خوفاً من الكيماوي، وعن الاحتجاز في البيوت لأسابيع خوفاً من الضربات، وعن حياة لا تعرفها الأجيال الحالية من المصريين.
سألتُ نفسي: كيف باعوا كلّ هذا الخوف لمواطني الخليج، وكذلك الوافدين من المصريين؟

الهلاوس تتحكّم بالجميع، وبحسب نظريّةٍ من النظريّات، وصفَت صديقتي القواعد الأميركية بأنّها قواعد مُستضافة، لهدفٍ محدّد، للحماية. قلتُ أنّني لم أسمع بعد في العلوم السياسية ولا العسكرية عن مصطلح «استضافة»؛ قالت إنّ السبب هو حماية السعودية وقت حرب الخليج، وإنّ السبب هو جنون صدام حسين… أبلغتها أنّ صدام اختفى منذ 23 عاماً.
قالت ومَن يستطيع طرد أميركا؟ قلتُ إذاً هو نوع من «الاحتلال». ثم تمّ تنعيم اللفظة لتصبح «تعاون عسكري مشترك».

تُمثّل صديقتي وأهلها طبقةً واسعةً من المهنيين في مصر. أهلها سافروا قبل عقودٍ للعمل في السعودية مع أفواج طليعة لم تجد مساحةً للعمل والحياة الكريمة في بلدها. وقد عاش الملايين من المصريين مغتربين في ظروفٍ صعبة لتغيير حياتهم وحياة البلاد المنهوبة التي لا تزال تعتمد على تحويلات المصريين في الخارج.

وينضمّ إلى صديقتي كثيرون من الغاضبين من موجة الشماتة بالخليج، باعتبارهم مدنيين. ينضمّون إليها في شرح ما لا يفهمه المصريون الذين لم يعرفوا الناس في الخليج. وأنّه «علينا التفرقة بين الناس والأنظمة الحاكمة في نهاية الأمر».

سألتُها، لكنّنا لا نعرف رأي المواطن الخليجي بالقواعد العسكرية؛ إذ لم يتجرّأ مواطنٌ على الإدلاء برأيٍ مخالفٍ في هذا الإرث الاستعماري، ومَن يعترض، نعرف مصيره مسبقاً، حتّى لو كان مصرياً يعيش في الخليج.

يقولون في علوم السياسة إنّها معركة صمود. يراهنون على ضرب الرادارات واستنزاف أنظمة الدفاع الأميركية وصمود الأسلحة الإيرانية. وأنّنا أمام احتمال كسر هيمنة أميركا على المنطقة لو فعلتها وصدقت إيران. يبدو هذا الاحتمال أفضل ما يطمح إليه الساسة الديكتاتوريون في هذه الحرب، ولكن حتّى أفضل الاحتمالات هذا، لن يرحم ملايين الإيرانيين من مصير مروّع تحت الحرب أو تحت الفقر. فالمرافِق والخدمات ستنهار مقابل صمود مصانع الصواريخ. وهذا المكسب لو تحقّق، لا يزال خسارة فادحة.

لم ينجُ الجنوبيون في لبنان من مصير التهجير والعوز، ولا نعمَت غزّة بليلةٍ من دون موت منذ ثلاث سنوات. وحين يسألني أحد عن المعركة، أقول: سأقف مع مَن يدفعون الثمن، مع الأصوات الخافتة في إيران، المحرومين في غزة، النازحين في لبنان، وكذلك العمّال الآسيويين في الخليج، والبحّارة المهدّدين في خليج هرمز. مع الخاسرين، ذلك أفضل، لأنّ من يقرّرون الحرب، غالباً، لا يدفعون أثمانها.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
الصراع على جزيرة خارك: هل تتجرّأ أميركا على ضرب النفط الإيراني؟
16-03-2026
تحليل
الصراع على جزيرة خارك: هل تتجرّأ أميركا على ضرب النفط الإيراني؟
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 16/3/2026
من هو رون ديرمر، رجل نتنياهو الذي تسلّم الملف اللبناني؟
16-03-2026
تقرير
من هو رون ديرمر، رجل نتنياهو الذي تسلّم الملف اللبناني؟
كاتس يطلب إعادة مغتصبي الأسرى إلى الخدمة
حصيلة محدّثة في لبنان: 886 شهيداً 2,141 جريحاً 1,049,328 نازحاً مسجّلاً
المجلس الشيعي يرضخ ويفتح أبواب مقرّه بالحازمية أمام المهجّرين
16-03-2026
أخبار
المجلس الشيعي يرضخ ويفتح أبواب مقرّه بالحازمية أمام المهجّرين