الهوّة بين الواقع والخطاب
«ضابط» عراقي يخترق الأجهزة الأمنية اللبنانية، من خلال ارتدائه زيّاً عسكريّاً فقط لا غير. وزير نقل يشتكي من كون شركته كانت الوحيدة في مناقصة، ما أجبره على الانسحاب منها. وفد دبلوماسي يذهب إلى تفاوض مع دولة تحتله بحثًا عن سيادته. حفلات هلع متتالية على التلفزيونات…
هذه مجرّد أمثلة متفرقة عن حالة الانهيار التي باتت توسّع الهوّة بين الواقع والخطابات عنه. ففي مواجهة هذا الواقع، يبدو الخطاب العام وكأنّه انحدر إلى مستوى من عدم الجديّة أو «الولدنة»، أنتج حالة من الانفصام بين ما نعيشه وكيفية التعبير عنه. فالخطابات، أكانت سياسية أو إعلامية أو رسمية، لا تبدو منقطعةً عن الواقع المأزوم وحسب، بل تبدو وكأنّها دونَه، أي تفتقد إلى الحد الأدنى من الجديّة التي يتطلبها الحاضر.
تصدّع نسيج النظام
هذا ليس حكمًا أخلاقيًا، بل إشارة إلى كيفية تصدّع علاقتنا مع الواقع جراء خطابات كهذه.
فانهيار الخطابات لا يطال «مصداقية» الخطاب أو صاحبه وحسب، بل يشكّك أيضاً بنسيج العالم من حولنا. فنبدأ بالتشكيك بالواقع وصلابته، ليتحوّل كل شيء إلى كلام يحوم فوق واقع لا صلة له به. فنسمع مثلًا خطابات عن السلام والمقاومة والتفاوض تتصارع حول واقع لم يعد متّصلاً بها، ليصبح ما نعيشه منفصلاً تماماً عما يحكى عنه. أو نستمع إلى خطابات عن دولة وهيبتها وإصلاحها، ونعايش يوميًا تحلُّلها وهرغلتها. وفي وسط الأزمة، يدور الإعلام من حفلة هلع إلى أخرى، مخترعًا «أعداء» داخليين للاستهلاك السريع.
تصدّع علاقتنا بالواقع ناتج عن مسار من الانهيارات المتراكمة، أخذت شكل انفصام بين الخطاب والواقع. هذا المسار «الانفصالي» لم يبدأ البارحة، بل بات عمره سنوات، من عمر الانهيار الذي نعيشه. فمع أولى إشارات التحلُّل، ومع الإدراك الضمني عند الجميع بأنّ الأزمة باتت خارج قدرة النظام للتعاطي معها، و«تحرّر» الخطاب من حدود الواقع، بتنا أمام اعتراف بأنّه ما من أحد في هذه البلاد قادر على مواجهة حالة التحلُّل هذه.
مفاوضات تبحث عن مفاوض
من علامات هذا الانفصال، المسار التفاوضي الذي دخلنا فيه منذ أشهر، والذي ابتكر عالمًا رسميًا منقطعاً عن واقع ملموس تشكّله الحرب. في الشكل، هناك «دولة» تفاوض، مع مسرحيات السيادة، من عَلم وممثل ومطالب. في الواقع، ما من دولة، بل فتافيت دولة تبحث عن «سيادتها» في فعل التفاوض، فتافيت دولة لا تسيطر على الأرض التي تفاوض عنها، كما لا تمتلك رواية لأسباب التفاوض. فتافيت دولة لا يمكن أن تدّعي حتى التماسك، وانقساماتها باتت جزءاً من العملية التفاوضية. في الواقع إذن، هناك بلد محتل، سيادته مستباحة من كامل الجهات. وفي الشكل، هناك دولة تفاوض، باسم سيادتها وهيبتها.
بعيدًا عن السجال الدائر حول مسألة التفاوض، ما بات تشير إليه هو حالة «الانفصال» هذه بين الخطاب والواقع، بين خطاب «سيادة» دولة تفاوض، وواقع بلاد يُعاد احتلالها. وفي هذه الهوّة بين الإثنين، يتصدّع نسيج النظام أكثر فأكثر.
«ضابط عراقي» في بيروت
نسيج النظام بات مهترئًا، يتلاعب به دوريًا منتحلو صفة، يفضحون أكثر فأكثر أنّ ما نسمّيه مؤسسات دولة باتت أقرب إلى دكاكين، رغم الخطاب الذي يحيط بها.
في نهاية عام 2025، انفجرت فضيحة «أبو عمر»، أي قضية مصطفى الحسيان الذي انتحل صفة أمير سعودي وحرّك شخصيات في الشأن العام من نواب ووزراء ورجال دين لتحقيق مكاسب مالية وأخرى سياسية. اعتقدنا أنّها حالة منفردة، ناتجة ربّما عن سوء تقدير فردي، إلى أن جاء الأسبوع الماضي حين ظهرت قضية أخرى، متشابهة، اسمها طارق الحسيني. مواطن عراقي، واسمه الأصلي طارق النصراوي، يعمل في محلّ للحلويات والعصير في خلدة، انتحل صفة ضابط عراقي برتبة عقيد. جلب معه بزّةً عسكريةً عراقية من بغداد ونسج لنفسه شبكة علاقات مع الأجهزة الأمنية وكبار ضبّاط الاستخبارات في بيروت. وعلى مدى عامَين، جال على مكاتب الأمن، منتحلاً صفة ملحق أمني في السفارة العراق.
انطلقت قصّة النصراوي من علاقة جمعته بمدير المخابرات في بيروت، ثم فُتحت أمامه أبواب بعض الضباط والمسؤولين الآخرين. تحدّثت معلومات صحفية عن أنّ النصراوي نسّق زيارةً لمسؤول سياسي إلى العراق. أما أبرز إنجازاته، فتمكُّنه من تحرير وديعة مصرفية عائدة لأحد المواطنين العراقيين بعد تدخّله مع أحد رؤساء المصارف اللبنانية، وذلك مقابل تقديم تسهيلات للمصرف في العاصمة العراقية. وما هو معروف حتى الآن أنّ علاقاته شملت، إضافةً إلى مدير المخابرات في بيروت، مدير عام جهاز أمن الدولة اللواء إدغار لاوندوس. أما المديرية العامة للأمن العام، فقد نفت أن يكون مديرها العام قد التقى الضابط الوهمي، من دون أن تتطرّق إلى لقاءات أخرى قد جمعت النصراوي بضباط أقلّ رتبة في الجهاز.
تمّ اعتقال النصراوي وبات في السجن، إلى جانب «أبو عمر» الذي لا يزال موقوفًا منذ كانون الثاني 2026. لكنّ هذا لن يلغي الفضيحة، فضيحة أن كل ما يحتاجه المرء لخداع الأجهزة الأمنية اللبنانية هو بزّة عسكرية ودعوة إلى العشاء. الفضيحة ليست بالضرورة بما جناه الرجلان جراء احتيالهما، بل من تصدّع نسيج النظام، من الإدراك الملموس بأنّ «صلابة» مؤسساتنا الرسمية ليست إلّا غطاء هشّاً لفراغ وانحلال.
وزير الأشغال الخاصّة
تصدّع نسيج النظام ليس فقط نتيجة تحلُّل مؤسسات الدولة، بل هو نابع أيضًا من سلوك المسؤولين وكلامهم، وهم الذين باتوا يحاولون فرض تخيّلات كوقائع.
وهذا ما ظهر، الأسبوع الفائت، مع فضيحة مشاركة شركة وزير الأشغال في مناقصة شراء سيارات وآليات لصالح مرفأ بيروت، أي لصالح المؤسسة التي تُمارس وزارة الأشغال الوصاية عليها. طبعاً، فازت شركة الوزير بالمناقصة، بسهولة بالغة، كونها كانت العارض الوحيد. وحين انكشف الأمر، أوعز الوزير إلى شركته بالانسحاب. والأسوأ من الفضيحة نفسها هي التعليقات التي أعطاها الوزير حول القضية، كونها تعكس مستوى الانحدار الذي بلغه التعاطي مع المصلحة العامة:
- أوّلاً، ادّعى الوزير أنّه انسحب «من تلقاء نفسه»، علماً أنّ الانسحاب تمّ بعد انكشاف الفضيحة.
- ثانياً، برّر الوزير الانسحاب بكونه لا يقبل أن يكون «العارض الوحيد»، وكأنّه لم يستوعب أنّ المشكلة لا تكمن بعدد المتقدّمين إلى المناقصة، بل في كون تقديم شركته، بحدّ ذاته، هو ضرب لمبدأ الفصل بين العامّ والخاصّ في عمله بالوزارة.
- ثالثاً، لم يكتفِ رسامني بالتباهي بجهله لدوره كوزير، بل وعدنا أنّ شركته، بسبب موقعها في السوق، مضطرّة للمشاركة في المناقصات العموميّة: كل مناقصة عمومية بتنطرح، نحن مضطرين نفوت عليها لننافس.
- رابعاً، بدلاً من اعترافه بالخطأ، ردّ الوزير على «الحملة» التي طالته بلعب دور «الدكر» الذي يتعاطى مع مسألة عامّة وكأنّها تخصّ فحولته: لو عرفان هالهجمة رح تكون بهالشراسة هيدي، أنا كنت ضلّيت. ما كنت انسحبت.
القضيّة هنا ليست فايز رسامني، ولا مناقصة بقيمة 734,550 دولاراً. القضية هي هذا القعر الذي وصل إليه البلد في طريقة إدارته لشؤون الناس، كما ظهر بتبريرات الوزير المفضوح. فلم يعد مطلوباً منّا السكوت على حالات الفساد وحسب، بل بات علينا أيضاً أن نصدّق من يُفضَح، وأن نصدّق صوابية قرار تعيين صاحب شركة استيراد سيارات لمنصب مؤتمن على بناء شبكة من النقل العام.
إعلام الهلع
«الانفصال» عن الواقع ليس صفة الخطابات الرسمية أو السياسية وحسب، بل بات يعبّر أيضاً عن الخطاب الإعلامي الذي تحوّل إلى عملية صناعة واقع موازٍ. ففي وقتٍ تظهر فيه أولويات المجتمع بوضوح، وقد فرضتها الحرب والانهيار، يميل جزءٌ من الإعلام في اتجاهٍ معاكس تماماً. فبدل ملاقاة هذه الأولويات، تنشغل الشاشات، من خلال بعض البرامج، بافتعال أزمات «أخلاقية»، تعيد تدويرها من أرشيفٍ قديم ظنّنا أنه أُقفل. من قضية السينما في برج حمود، إلى الادعاءات حول «بيع البويضات» في عيادات نسائية، وصولاً إلى التشهير بنساء قررن الإجهاض، يعيد هذا الإعلام إنتاج سرديات سبق أن خيضت ضدّها معارك طويلة لوضع حدٍّ لها، بعدما تبيّن أنها لم «تحمِ المجتمع» يوماً، بل ساهمت في أذيته، من خلال التحريض على أفراده، والتشهير بهم، وتكريس الوصاية عليهم.
المفارقة أنّ هذه ليست مجرّد زلّات، بل عودة مُمنهجة إلى خطاب كان يُستخدم للإلهاء عن المشكلة الفعلية الكامنة في مكانٍ آخر، نفس الأسئلة، نفس النبرة، ونفس الادّعاء الفوقي بحماية «المجتمع». وكأنّ كل ما نُوقش خلال السنوات الماضية، من حقوق النساء إلى وقف ملاحقة المثليين، قد سقط. حتى يكاد ينقص هذا المشهد إعادة فتح ملفات من نوع «عبدة الشيطان»، أو تبرير العنف ضد النساء بسؤال «شو كانت لابسة؟»، في محاولة لاستنفاد ما تبقّى من مواضيع إثارة.
بهذا المعنى، لا يعكس هذا الإعلام المجتمع، بل يشبه النظام الذي ينتجه: نظام متصدّع، فاقد القدرة على مقاربة أزماته الفعلية، فيلجأ إلى اختلاق معارك جانبية ليبرّر دوره. وكما يرفع هذا النظام شعار «الحماية» فيما يُترَك الناس لمصيرهم، يرفع الإعلام الشعار نفسه ليغطّي على ممارسات بعيدة كل البعد عن واقع المجتمع. إعلامٌ فارط، مثل نظامه: منفصل، مأزوم، ويعيد تدوير أزماته بدل مواجهتها.
عن ضرورة إصلاح علاقتنا بالواقع
ما تشير إليه الأحداث المتفرقة لهذا الأسبوع ليس حالة الانهيار التي نعيشها وحسب، بل حالة «انفصال» الخطاب العام عن الواقع، والذي بات بحد ذاته أزمة. وتُنتج حالة «الانفصال» هذه تصدّعاً في علاقتنا بالواقع، حيث بتنا نفتقد لخطابات تعبّر فعليًا عن أزمتنا، ونستبدلها بأخرى، تفرض علينا دائمًا حالة من الانفصام بين ما نعيشه وكيف يتمّ التعبير عنه. فتحلُّل النظام ليس فقط انهيارًا ماليًا أو أزمات سياسية، بل بات انهياراً في العلاقة مع الواقع، وكأنّ هذا النظام يقول إنّه لا يمكن أن يستمرّ إلّا من خلال خلق عالم موازٍ.
من هنا، تبدو الضرورة في ترميم علاقتنا بالواقع، في إعادة فرض الخطابات التي تعبّر عنه في وجه سيل الكلام الفارغ، وبالتمسّك بالحقائق النابعة من معاشنا في وجه الخطابات التي تحاول طمسها.