«مذكرة تفاهم» تعاكس «الغضب الملحمي»
بعد ثلاثة أشهر على الاندلاع آخر موجة من الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، وقّعت الولايات المتحدة وإيران «مذكرة تفاهم» لتمديد وقف إطلاق النار بينهما. المذكّرة، المكوّنة من 14 بندًا، تعاكس معظم أهداف الحرب التي كانت قد وضعتها الولايات المتّحدة، ومعها إسرائيل، من إسقاط النظام إلى القضاء على برنامجه النووي وترسانة صواريخه الباليستية، وصولًا إلى القضاء على أذرعه الإقليمية. كما تكرّس المذكرة شرعية النظام الإيراني، بعدما كان بقاؤه على المحكّ.
بغضّ النظر عن المفاوضات القادمة حول تثبيت بنود مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران والبحث في الملف النووي، هناك نتائج باتت محسومة:
- نجاح النظام الإيراني في فرض نفسه كلاعب إقليمي، لا مفرّ من التفاوض معه.
- فشل السياسة الأميركية في تغيير موازين القوى من خلال المغامرات العسكرية.
- فرض حدود على المشروع الإسرائيلي التوسعي، للمرّة الأولى منذ 7 أكتوبر.
لبنان في الاتفاق الإيراني
بعد محاولات أميركية ولبنانية وإسرائيلية لفصل الملف اللبناني عن ملف التفاوض الإيراني- الأميركي، جاءت مذكرة التفاهم لتعيد وضع لبنان في صلب التفاوض الدائر بين طهران وواشنطن. فالبند الأول لمذكرة التفاهم يذكر لبنان ثلاث مرّات كجزء من اتفاقية وقف إطلاق النار. بعد أشهر من الضغوط الأميركية لفصل المسارين، رضخت واشنطن لمبدأ «التفاوض الإيراني» عن لبنان، وكرّست هذا الدور في البند الأول من المذكرة.
تُرجمت هذه الضغوط الأميركية، ومعها الرهان المبكر والمجنون للبعض على القضاء السريع على النظام الإيراني، بسياسات معادية لإيران داخليًا، من شكاوى ضد التدخل الإيراني إلى رفض تثبيت السفير الإيراني وصولًا إلى حملات إعلامية ضد النظام الإيراني. لكنّ هذا التصعيد يجد نفسه اليوم وحيدًا، بعدما قرّرت إدارة ترامب أن مصلحتها هي في الاتفاق مع النظام الإيراني، تاركة «حلفاءها»، مجددًا، في حالة فراغ سياسي.
المسارات اللبنانية الحيّة-الميتة
وإن كان أي اتّفاق لوقف إطلاق النار مفيدًا لبلد يعاني من الحرب منذ سنوات، يعمّق تسليم الملف اللبناني لإيران حالة الانفصام السياسي لبنانيًا، منتجًا عددًا من «المسارات الحيّة-الميتة» التي تؤكّد تحوّل لبنان بأكمله إلى «ورقة»، قد تنفجر في أيّ لحظة.
من بين هذه المسارات:
- مسار التفاوض اللبناني- الإسرائيلي الذي بات خارج أي سياق إقليمي، بعد قبول الولايات المتحدة بدور إيران الغائبة عنه. فالتفاوض بات يحصل بين حكومتين، واحدة غير قادرة على تنفيذ وعودها والثانية رافضة لأي تفاوض إقليمي أو تراجع ميداني. في وضع كهذا، بات مسار التفاوض اللبناني- الإسرائيلي حيّاً-ميتاً، مستمرّاً لمجرّد وجوده، لكن خارج أي سياق إقليمي.
- مسار الحرب على لبنان، المستمرّ في حالة من وقف إطلاق النار الإقليمي. فقد أكّد المسؤولون الإسرائيليون عدم خضوعهم للاتفاق الأميركي- الإيراني، ما يعني أن حربهم باتت فاقدة للغطاء الأميركي. ستستمرّ الحرب، إذاً، لكن في مناخ إقليمي انقلب عليها، لتتحوّل إلى حرب حيّة-ميتة، لا أفق لها إلّا ضرورات نتنياهو الداخلية.
- الحكومة اللبنانية الحيّة-الميتة، والتي تجد نفسها اليوم في حالة غريبة، حيث بات مكوّن أساسي فيها خارج القانون حسب قرارات الحكومة. وبعد تماهي أكثرية الحكومة مع المشروع المناهض لحزب الله، تجد نفسها هذه الأكثرية مضطرة للعودة إلى حوار ما، لتفادي الانفجار الداخلي.
- مسار سحب السلاح الحيّ-الميت، والذي بات اليوم مرتبطاً حصريًا بالملف الإيراني، رغم المزايدات اللبنانية التي تصل أحياناً إلى تماهي أطراف لبنانية مع المشروع الإسرائيلي. فبات هذا المسار معلقًا، تاركًا وراءه أزمة سياسية قد تنفجر في أي لحظة.
- حزب الله الحيّ-الميت، والذي، رغم «انتصار» راعيه الإقليمي، يخرج من الحرب ضعيفًا داخليًا، ومجرّد ورقة إيرانية، فاقدة لأي شرعية داخلية. في وضع كهذا، يتحوّل أيّ حوار مع حزب الله إلى مضيعة للوقت، لكون قراره في طهران، كما يصبح أي ضغط عليه غير فعال، لكون قراره في طهران أيضًا.
«لبنان الساحة»
تحوّل المسارات السياسية اللبنانية إلى ما يشبه المسارات الحيّة-الميتة ليس إلّا دليلاً لتحوّل لبنان بأكمله إلى «ساحة»، تدار إقليميًا، ساحة باتت تتراوح بين خطرين:
- خطر الاحتلال الإسرائيلي الذي بات ينذر بتحوّله إلى وجود ثابت في مناطق تغطي تحو 20 بالمئة من البلاد.
- خطر الوصاية الإيرانية التي باتت تتعامل مع البلاد كورقة تفاوضية، يمكن تحريكها في أي لحظة، بغية حماية النظام الإيراني.
فشل الخيار «السيادي» في رهانه على الولايات المتحدة لحماية لبنان، أو في رهانه على إسرائيل للقضاء على حزب الله، تاركًا وراءه أزمة سياسية مفتوحة. لكنّ فشل هذه المحاولات الخاطئة والرهانات المجنونة لا ينفي أنّنا اليوم في مواجهة الخطرين أعلاه، واللذين سيتفاقمان مع رغبة إسرائيل في تثبيت وجودها في لبنان من جهة، وخطر احتمال انزلاق حزب الله إلى مغامرة داخلية.
«لبنان الساحة» بحاجة اليوم إلى مبادرة إنقاذية، لكنّها مستبعدة في ظل وضع سياسي بات برمّته حيّاً-ميتاً.