قضية الأسبوع بيئة
ميغافون ㅤ

من «السدّ» إلى «المكبّ»

أعلنوا مرج بسري محميّة

22 آب 2026

مكبّ الضياع الإداري

في 10 آب، كشف تحقيق لصحيفة «النهار» أنّ مواد كيميائية منتهية الصلاحية خرجت من معملي الزوق والجية ووصلت إلى مطمر زحلة ومرج بسري. 

كان من المفترض أن تغادر هذه المواد لبنان إلى أوروبا لمعالجتها والتخلّص منها وفق المسار الذي بدأته مؤسسة كهرباء لبنان عام 2021. لكنّ المسار تغيّر، من دون أن يكون واضحاً من اتّخذ هذا القرار. وانتقلت كهرباء لبنان من الترحيل إلى الخارج إلى محاولة التخلّص من المواد داخل لبنان. في عام 2024، تعاقدت المؤسسة مع شركة Tecmo لمعالجة المواد محليًّا. وافقت وزارة البيئة على منهجية المعالجة في بسري، لكنها طلبت أخذ رأي وزارة الزراعة في استخدامها بعد تحويلها إلى سماد. إلا أن العملية سبقت هذا الرأي، بعد أن أُذيبت محتويات نحو 300 برميل ووُزِّعت في أرض مرج بسري. وبعد طمسها، أعلنت وزارة الزراعة أنّ المادة غير مقبولة للاستخدام الزراعي.

هكذا، ومن دون أي دراسة أو تقييم أو رؤية، أدّت حالة الضياع الإداري إلى تحويل جزء من مرج بسري إلى مكبّ لطمس موادّ كيميائية منتهية الصلاحية وغير صالحة للاستعمال الزراعي.

الضياع الإداري القاتل

في ما يشبه حالة التبريرات التي تلت انفجار المرفأ، سادت حالة شبيهة من التهرّب من المسؤولية، مع اكتشاف فضيحة طمس المواد الكيميائية في مرج بسري. 

قالت كهرباء لبنان أنّ خطة التصدير القديمة تعطّلت بسبب عدم موافقة وزارة البيئة، وأنّ Tecmo حصلت لاحقاً على الموافقات المطلوبة. وردّت البيئة بأنها لم تتلقَّ أساساً أي ملف رسمي مستوفٍ لشروط التصدير وفق «بازل»، وأنّ كهرباء لبنان، بصفتها مالكة المواد، هي التي اختارت المعالجة المحلية وقدّمت منهجيتها، بينما اقتصر دور الوزارة على تقييمها والموافقة عليها. أما وزارة الزراعة، فأخذت علماً بالملف بعد تحويل المواد إلى سماد ووضعه في التربة. كما تبيّن لاحقًا أن العقار، حيث وُضعت المواد في بسري، ليس أرضاً زراعية خاصة كما كان مقدّماً في الملف، بل من أملاك الدولة العمومية المستملكة ضمن مشروع سد بسري والتابعة لوزارة الطاقة والمياه. وبالتوازي، بقيت نحو 7.5 أطنان من مواد أخرى في مطمر زحلة من دون معالجة، بعدما تراجعت البلدية عن موافقتها وطالبت بإزالتها منذ تشرين الأول 2025. 

الضياع الإداري ليس مشكلة إدارية فحسب، بل بات مسبّباً لجريمة بيئية مستمرّة لأنّ لا أحد قادر في الإدارات الرسمية على تحمّل المسؤولية الضائعة بين شتّى مؤسسات الدولة. 

قبل المكبّ، كان السدّ

استنفر ممثّلو «التيار الوطني الحر» للتصويب على وزارة الطاقة التي تتولّاها حالياً «القوات اللبنانية». قدّم الرئيس السابق لاتحاد بلديات جزين، خليل حرفوش، ما حصل بوصفه نتيجةً لمعارضة السدّ، وكرّر جبران باسيل في مؤتمرٍ صحفيّ السردية نفسها، معتبراً أن معارضي المشروع «روّحوا السد وخرّبوا البيئة». وفي ربطهما هذا، بين المكبّ والسدّ، أظهر ممثّلو «التيار الوطني الحر» حدود العقلية الراهنة حيال البيئة في لبنان، إمّا تدميرها أو تلويثها. 

فللتذكير، في عام 2010، أقرّت الحكومة، تحت ضغط باسيل، استراتيجية وطنية لبناء عدة سدود بين عامي 2011 و2035، ومن بينها سد بسري، رغم الاعتراضات البيئية والتقنية على المشروع. وفي عام 2014، وافق البنك الدولي على تقديم قرض بقيمة 474 مليون دولار لبنائه، غاضّاً النظر أيضاً على الاعتراضات العديدة على المشروع. فالسدود من أسوأ الحلول لأزمة المياه في لبنان، لكنّ هذا لم يردع العونيّين آنذاك و هوسهم بالسدود. 

بدأ الاعتراض على مشروع سد بسري في عام 2017، وتنظّم عام 2018 ضمن حملة «أنقذوا مرج بسري». ونجحت الحملة، محمولة بحالة الاعتراض الشعبي في عام 2019، بفتح مرج بسري، كاسرة الحصار الذي فرضته السلطة على المرج لحماية الأعمال فيه. وفي عام 2020، تراجع البنك الدولي عن تمويل المشروع، ما أوقف مشروع بناء السدّ، لكن بعد أن تمّ تخريب أجزاء من المرج. رغم سقوط مشروع السد، لم تتخلَّ الحكومات المتعاقبة عن محاولة إعادة إحيائه. والأهمّ، أنّ المشروع لم يسقط جراء تغيير النظرة إلى علاقتنا بالنظام البيئي. سقط مشروع السد واستبدل بمشروع المكب. 

من نظرة استخراجيّة للبيئة إلى ممارسة إخراجيّة

لطالما تعاطت الرأسمالية اللبنانية وإداراتها الرسمية مع البيئة وفق نظرة استخراجيّة، تنظر إلى البيئة كخزّان من الموارد الطبيعية القابلة للاستغلال الفردي. فمنذ قيام الدولة اللبنانية، تمّ تسليع الموارد الطبيعية لاستغلالها اقتصاديًا، بلا اكتراث بالأثر البيئي لسياسات كهذه أو بقدرة هذا النظام الطبيعي على إعادة إنتاج نفسه بعد تزايد نسب استغلاله. مع الوقت، تأقلمت هذه السياسة الاستخراجية مع تحوّلات الرأسمالية اللبنانية، لتتماشى مع طابعها الريعي. فتمّت خصخصة الطبيعة لكي تتحوّل إلى بقع من الاحتكار السياحي أو العقاري، في اقتصاد استبدل الإنتاجية بالريْع. 

ومع دخول الاقتصاد في طوره الانهياريّ، تحوّلت الأماكن الطبيعية إلى مجرّد مكبّات لاستيعاب نفايات الاستهلاك الوطني. ففي اقتصاد ريعيّ بالكاد ينتج، ما زال الاستهلاك يحتاج إلى منافذ لتصريف نفاياته ومخلّفاته وإفرازاته. وإن لم تعد البيئة من موارد الاقتصاد، فيمكن تحويلها، في نظرة إخراجية، إلى مكبّ لهذه الفضلات، أكانت في البحر والأنهار والغابات، ومرج بسري. لم يكن مجرّد خطأ إداري ما أدّى لطمس 300 برميل من المواد الكيميائية في مرج بسري، إنّها العقلية الإخراجية، التي تعتبر أن الطبيعة موجودة لطمس فضلات وجودنا الاستهلاكي. 

مرج بسري محميّة

بدأ العالم يستشعر آثار الاحتباس الحراري، أكان في موجات الحرائق التي انتشرت في مناطق مختلفة من العالم، أو الأرقام القياسية للحرارة في بلدان مختلفة من الكوكب. بدأ العالم يستشعر، في أكثر اللحظات هجومًا على السياسات البيئية، مع صعود ترامب وأشباهه في العالم. لكنّ الاحتباس الحراري ليس إلّا واحداً من إشارات استهلاك الشروط الطبيعية للبقاء، والتي باتت تتكاثر لتؤكّد صعوبة الاستمرار بالنهج البيئي ذاته. وبالإضافة إلى هذه الإشارات، يمكن، في الحالة اللبنانية، إضافة حرب الإبادة البيئية التي تشنّها إسرائيل على جنوب لبنان. وفي وجه كل هذه الانتهاكات لعالمنا البيئي، تأتي الإدارات الرسمية للقضاء على ما تبقى من أنظمة بيئية، محوّلة إيّاها إلى مطامر لنفايات.

في وجه صعوبة تغيير العقلية الراهنة حيال البيئة، وأمام المحاولات المتكرّرة للإدارات العامة تدمير مرج بسري، إمّا من خلال طمسه تحت سدّ أو طمس مواد كيميائية تحت أرضه، لا بد من إعلان مرج بسري محميّةً لحمايته من مشاريع السدود والمطامر. فالرأسمالية اللبنانية وإداراتها الرسمية، كما برهنت السنوات الماضية، لن توقف محاولة استغلال هذا المرج، أكان كموارد أو سد أو مطمر، غير آبهة بتدمير الأنظمة البيئية التي يحتوي عليها والحيوات التي بنيت من حوله والفرص المتاحة لبناء علاقة مختلفة معها. 

مرج بسري محمية للحدّ نهائيًا من مطامع الإدارات العامة فيه.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
قضية الأسبوع

من «السدّ» إلى «المكبّ»

ميغافون ㅤ
قضية جايسون أرداي: توقيف أبرز المحرّضين عن العمل
21-08-2026
أخبار
قضية جايسون أرداي: توقيف أبرز المحرّضين عن العمل
حدث اليوم - الجمعة 21 آب 2026
21-08-2026
أخبار
حدث اليوم - الجمعة 21 آب 2026
نفايات كيميائيّة في مرج بسري: الدولة لم تكُن تَعلم
21-08-2026
تحقيق
نفايات كيميائيّة في مرج بسري: الدولة لم تكُن تَعلم
ChatGPT سيقرأ رسائلكم ويُجيب باسمكم: ما أبرز مشاكل الخاصّية الجديدة؟
21-08-2026
تقرير
ChatGPT سيقرأ رسائلكم ويُجيب باسمكم: ما أبرز مشاكل الخاصّية الجديدة؟
عقوبات أميركية على حزب الله: تنظيم خاضع للحرس الثوري
21-08-2026
أخبار
عقوبات أميركية على حزب الله: تنظيم خاضع للحرس الثوري