تحوير قانون، بعد تفخيخه
طُرح قانون العفو العام الذي أقرّه مجلس النواب في 13 آب 2026 أساساً بوصفه مدخلًا لمعالجة قضيّة الموقوفين الإسلاميين واكتظاظ السجون، لكنّ صيغته النهائية تجاوزت هذه الغاية بكثير. ما بدأ كمحاولة لحلّ هاتين الأزمتين، انتهى بأكبر عمليّة تبييض جرائم مالية في تاريخ لبنان.
بدأت المشكلة بطريقة مقاربة اقتراح قانون العفو العام لمسألة العفو. بدلاً من تحديد الجرائم التي يطالها العفو العام، بُني القانون على مبدأ أنّ العفو هو القاعدة، فيما حُدّدت الجرائم غير المشمولة به عبر استثناءات ضيّقة أو ملتبسة، ما وسّع تلقائياً دائرة المستفيدين. وهذا ما «فخَّخ» القانون، وحوّله إلى مدخل لشمل جرائم– ولا سيّما الجرائم المالية– بدائرة العفو. إلى جانب ذلك، أتاحت صياغات ضيّقة أو ملتبسة لاستثناءات أخرى إمكانيّة شمول كبار تجّار المخدّرات المحكومين غيابياً، وبعض جرائم الإثراء غير المشروع والجرائم المصرفية والبيئية.
لكنّ طريق تحوير القانون لم تنتهِ هنا. فالنسخة النهائية التي أُحيلت إلى رئيس الجمهورية تضمّنت تعديلات لم تناقشها الهيئة العامة. فالنسخة الموزّعة على النواب قبل التصويت كانت تستثني مثلاً جرائم الفساد في القطاع العام، ولم يُناقِش المجلس إلغاء هذا الاستثناء ولا صوّت عليه. الاختفاء «السحري» للاستثناء المتعلّق بفساد القطاع العام من النسخة النهائية يفتح الباب أمام العفو عن جرائم مثل استغلال الوظيفة وسوء الإدارة والجرائم المرتبطة بالتلزيمات والصفقات العامة.
من خلال تحويل العفو إلى قاعدة، ومن خلال ضبابية صياغة الاستثناءات و«اختفاء» استثناء جرائم الفساد في القطاع العام، تحوّل قانون سُوِّق كحلٍّ لفئةٍ محدّدة من المساجين إلى عفو واسع يمكن أن يمحو المسؤولية الجزائية عن مجموعة كبيرة من الجرائم المرتكبة خلال السنوات الـ35 الماضية.
العفو عن أي جرائم؟
كان من المفترض أن يشمل قانون العفو العام الجرائم التي أدّت إلى اكتظاظ السجون أو التي استُغلّت لأسباب سياسية في مرحلةٍ ما كمدخل لإعادة التفكير بالقوانين ومسار التوقيف والمحاكمة وأسس العدالة في البلاد. ولكن تكشف الأمثلة التي قد يشملها القانون مدى اتّساع العفو، وتحويله من مدخل لإعادة صياغة نظام عدلي جديد إلى قانون يعدم المحاسبة والعدالة.
فمن بين المستفيدين المحتمَلين من القانون، حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، في جزءٍ من الملاحقات المفتوحة بحقّه. فالقانون استثنى جرائم الإثراء غير المشروع وفق القانون الصادر عام 2020 تحديداً، ما يفتح الباب أمام طلب العفو عن أموال غير مشروعة جُمِعت قبل صدوره. وقد يستخدم سلامة هذه الثغرة لطلب إسقاط ملاحقات مرتبطة بأموال وعمولات تقاضاها قبل عام 2020، ومنها ملاحقات متّصلة بقضية «فوري». وفي القطاع المصرفي أيضاً، استثنى القانون بعض الجرائم المحدَّدة، لكنّه ترك الباب مفتوحاً أمام العفو عن جرائم أخرى، من بينها أفعال مرتبطة بالهندسات المالية التي نفّذها مصرف لبنان واستفادت منها مصارف، وساهمت في الخسائر التي تكبّدها المودعون. كما ضيّق إمكانيّة ملاحقة بعض الجرائم المصرفية على أساس تبييض الأموال.
أما حذف استثناء جرائم الفساد في القطاع العام بعد التصويت، فيفتح باباً أوسع بكثير. إذ يمكن أن تستفيد من العفو جرائم استغلال الوظيفة وصرف النفوذ وسوء إدارة المال العام، ما قد يطال ملاحقات مرتبطة بملفات كبرى مثل الفيول المغشوش وصفقات بواخر الكهرباء والصرف الصحّي، وحتى بعض ملفّات الفساد المفتوحة حالياً بحق مسؤولين سابقين كوزير الاقتصاد السابق أمين سلام ووزير الصناعة السابق جورج بوشيكيان. ولا تقتصر المفاعيل على الفساد المالي: فالقانون استثنى الجرائم الواردة في قانون حماية البيئة، لا جميع الجرائم التي تلحق أضراراً بالبيئة، ما قد يسمح بالعفو عن مخالفات خطيرة منظّمة في قوانين أخرى، مثل مخالفات المقالع والكسارات.
ومن بين المستفيدين المحتملين أيضًا كبار تجار المخدّرات. فالقانون ينصّ على أنّ تجار المخدّرات الذين يكرّرون الجريمة أكثر من مرّتين لا يستفيدون من العفو. لكن لكي يُعتبر الشخص مكرّراً، يجب أن يكون قد صدر بحقّه حكمان نهائيان سابقان قبل ارتكابه الجريمة للمرّة الثالثة. لذلك، فإن كثرة الملاحقات أو الأحكام الغيابية لا تكفي وحدها لاستبعاده من العفو. وهذا ما قد يسمح لنوح زعيتر بالاستفادة من العفو، رغم وجود نحو ألفَي محضر ملاحقة بحقّه وأحكام غيابية في قضايا مخدّرات، وكذلك لجورج ديب المعروف بـ«دكتور فود»، والمحكوم غيابياً بتجارة المخدّرات وتهريبها.
عن المحاسبة بعد قانون العفو العام
قانون العفو العام، في صيغته المعدلّة، لا يبرّئ مرتكبي جرائم الفساد، أكان في القطاع العام أو الخاص، والإثراء غير المشروع، بل يطرح سؤالًا أوسع عن احتمال المحاسبة بعد إصدار القانون. فمنذ انتهاء الحرب الأهلية والجرائم المالية تشكّل محورًا أساسيًا من النظام السياسي، أكان في فساد الإعمار والمصالحة، مرورًا بمحاصصة العقود التي تلت، وصولًا إلى الأزمة المالية وتوابعها المصرفية. في وجه هذا الخط من الفساد والاستحواذ على الموارد العامّة، تطوّرت عددًا من المعارضات، تمحورت حول الإعلام وبعض المبادرات المدنية وصولًا إلى محاولات لاختراق مجلس النواب. بدا وكأنّ هذا الاعتراض بات له بعدًا شعبيًا مع «ثورة تشرين»، تعمّق مع الأزمة المالية وما تلاه من انحلال للدولة، التي أظهرت عمق الفساد اللبناني.
حاولت السلطة على مدار السنوات قمع هذا الخط أو التهرّب من محاسبته، ونجحت في الحدّ من الإفلات من الترجمة القانونية لهذه المحاسبة. لكنّها لم تنجح في قمع الرأي العام، الذي بات مقتنعًا بفساد سلطته. في وجه هذا التحدّي، وجَدت السلطة السياسية والمالية مهربًا في قانون العفو العام الأخير، متلطّيًا وراء مطلب تخفيف اكتظاظ السجون وحل مسألة الإسلاميين، لتسكير باب محاسبة جرائمها المالية نهائيًا. وهذا ما يطرح سؤالًا وجوديًا أمام هذه المعارضات. فماذا يبقى من دور الإعلام إن بات هناك قانونًا يمنع أي محاسبة عن الماضي؟ وما هو دور الاختراق النيابي «التغييري» إن كانت القوانين تتغيّر بعد التصويت عليها؟ وماذا عن السجال حول الأزمة المالية والمسؤولين عنها إن كان مجلس النوّاب منع أي محاسبة جدّية، ونحن ما زلنا نعيش آثارها؟
قانون العفو العام، إن مرّ بصيغته الأخيرة، هو ليس فقط عفوًا عن جرائم الماضي، بل هو نهاية المحاسبة كما عرفناها، وإعلان رسمي بأن الرأي العام ومطلبه للمحاسبة باتا خارج القانون.
عفو بعد الآخر
هذه ليست المرّة الأولى التي تلجأ فيها السلطة السياسية إلى سلاح قانون العفو العام، مستغلّةً مطلب «طَي صفحة الماضي» لإعادة إنتاج سيطرتها المهترئة. تحجّجت السلطة السياسية عام 1991 بتمرير قانون العفو العام من أجل ضرورة «المصالحة»، والذي سمح بإعادة تدوير أمراء الحرب وتحويلها إلى سلطة ما بعد الحرب. كانت الحجّة وقتها استحالة محاسبة آلاف الجرائم التي ارتُكبت في الحرب وضرورة المصالحة بين الطوائف المتقاتلة. لكنّ الهدف الأساسي كان تبرئة زعماء الحرب من جرائمهم.
يلعب القانون الحالي نفس الدور الذي لعبه قانون عام 1991. فانطلاقًا من ضرورة حلّ أزمة السجون والنظام القضائي، يعيد تدوير المجرمين الماليين الذين نهبوا هذه البلاد على مدار العقود الأخيرة، لكي يخرجوا من هذه الأزمة من دون محاسبة تذكر، ربّما لتحضير عودتهم إلى الحكم.
طَي صفحة الماضي يأتي بعد المحاسبة، وكمدخل لنظام جديد. هو ثمن نضطرّ أحيانًا إلى دفعه من أجل الخروج من وضعية إلى أخرى، من المفترض أن تكون أفضل. لكن خارج المحاسبة، طَي صفحة الماضي يتحوّل إلى مدخل لإعادة إنتاج النظام المُدان ذاته. وهذا ما تقوم به السلطة في لبنان من جديد: طَي صفحة الجرائم المالية في لحظة نزاع حول الأزمة المالية وحول توزيع أعبائها ومسؤوليّاتها. بعد هذا القانون، يصبح الكلام عن الأزمة المالية من الماضي، مثله مثل مذابح الحرب وجرائمها.