تعليق الحرب على لبنان
منار شربجي

حياتُك العالقة بين المئة غارة والبايجرز

10 نيسان 2026

تفجيرات البايجرز والمئة غارة

عند لحظات الصدمة، يبحث الجهاز العصبي المُهترئ عن شعورٍ أو تجربةٍ مشابهة، كنوعٍ من طمأنة الذات أو مواساتها. بمعنى أنه إذا أمكنكِ التعرّف على واقعةٍ ما، عبر كارثةٍ أقدم بقليل، يمكنكِ أيضاً أن تتقبّليها بطريقةٍ ما. 

كلانا يعرف أنّ الأمور ليست بهذه السهولة.

هي اللحظةُ نفسها: 

يومٌ دمويّ وشرٌّ خالص وأذى مُهندَس. وجوهٌ تحبّها بدت شاحبة، عيونٌ مشوّشة يُغرقها الخوف، أيادٍ لا تعرف أين تختبئ. شعورٌ خانق بأنَّ كلّ هذا الموت على مسافة خمس دقائق منكِ، وحظٌ بحت جعلكِ خارج الموقع الذي قرّرت آلة القتل الإسرائيلية أنّه سيموت اليوم.

هناك قاسمٌ مشترك بين المئة غارة وتفجير أجهزة البايجرز. تقولين لزميلك، هذا ثاني أغرب يوم بعد يوم البايجرز. لأنّه هجومٌ جسديّ ونفسي، بنفس درجات الفظاعة. يُخرج منكِ خوفاً غير مألوف. ليس كالخوف اللحظيّ الملموس من الصاروخ أو الطائرة الحربيّة. إنّه خوفٌ يلتصق بكِ لأيّامٍ طويلة. يُشعركِ أنّك على حافّة الكوكب، أنتِ مجرّد شاهدٍ على أفظع ما رأيتِ. لن يسألك أحد عن شعورك كي ينتزع حقّك. تبحثين عن خدشٍ لتتخلّصي من دمك المتعفّن، ولا تجدين. تقتنعين أنّ آلة القتل الإسرائيلية قرّرت أنّك لن تموتي اليوم، فقط ستعتزلين الحياة قليلاً.

17 أيلول 2024: تفجيرات البايجرز - الفصل الأوّل

في غرفة الأخبار، كنتِ تحدّقين بالتلفزيون. مشهدٌ عبثي، أنتِ صحافية لا تعرف ما جرى. لا جواب في هذه الغرفة ولا في غيرها. لا تعرفين حجم الكارثة ولا موقعها ولا كيفية تنفيذها ولا معنى وقوعها. تعرفين فقط أنّكِ محاصرة. توسّخ دماغكِ للأبد. لن تنسي تلك اللحظة. لن تنسي أنّك لم تُدركي شيئاً، ثمّ أدركتِ كلّ شيء.

ينجلي الضباب كما لو أنّه لم يكن. إسرائيل فجّرت أجهزة بايجرز كانت بحوزة الآلاف. تكتبين: ثلاثة آلاف مصاب. حصيلةٌ ضخمة كانت شرّاً متعمّداً. أرادت إسرائيل أن يبقى ثلاثة آلاف مصاب على قيد الحياة، كنوعٍ من الترهيب الذي لا ينجلي.

مصابون امتزجت عيونهم مع قطع بلاستيك. أنسجة أجفانهم ذابت واحترقت، عيونهم لا يمكن ترميمها حتى. أكثر من 500 شخص فقدوا نظرهم أو أيديهم ذات يوم ثلاثاء. هل يتذكرون الكارثة كلّ يوم ثلاثاء؟ كلا، لا ينسونها. ويجب ألا تنسيها أنتِ، لأنّكِ تذكُرين جيداً أصوات سيّارات الإسعاف ذلك اليوم.

08 نيسان 2026: المئة غارة- الفصل الثاني وليس الأخير

أصواتٌ متتالية أتت من السماء؟ تحاولين أن تكتبي خبراً لا تفهمين ما هو. غاراتٌ سقطت في كلّ شبرٍ من حولك. مقاطع مروّعة من كلّ المناطق. في أحدها فتاةٌ تصرخ «يا ماما». شفتي؟ سمعتي؟ بتعرفي وين هيّ؟ لا أعرف.

مئة غارة بعشر دقائق، أعلنها جيش إسرائيل. أطلق على العمليّة اسم «الظلام الأبدي»، وكأن عنوان العدوان الجديد أكثر أذيّةً من العدوان نفسه. كلا تمهّلي، لا تصدِّقي ذلك، هذه حربٌ نفسيّة. لكن كلانا يعرف أنها حربٌ أبديّة.

تتذكّرين أنّك عرفتِ يوماً مشابهاً من قبل. يهدّئ ذلك من روعِك قليلاً. تفكّرين أنّ اليوم لعلّه أسوأ من اليوم الذي تتذكّرينه. ثم تتذكّرين أنّ ذاك اليوم مهّد لفظاعة اليوم. تحاولين أن تتجاهلي الشعور الذي يمشي على جلدك كالحشرات، يقولُ لكِ إنها النهاية.

تكتبين: استشهد 303 أشخاص وأُصيب 1,150 آخرون. تعمّدت إسرائيل مرّة أخرى أن تترك هذا الكمّ من الجرحى، ومعهم آلافٌ فقدوا بيوتاً بمثابة حياتهم. تريد إسرائيل أن تري المبنى المدّمر وأنتِ في طريقك إلى محلّ الفلافل. تريدكِ أن تتذكري هذا اليوم كلّ أربعاء.

تتذكّرين أنّكِ ما زلت تكتبين الخبر. لا تستوعبين حتّى الآن حجم الكارثة. تستحين قليلاً من الكوميديا السوداء التي تخرجُ من فمِك. ثمّ تقولين «شو بدي أعمل يعني». بعد الدوام، تعودين أدراجك، لا يوجد الدومري في الشارع. ما زلتِ لا تُدركين شيئاً، تبحثين عن الشوكولا لتلتهمك. لكن، في الوقت ذاته، أصبحتِ تُدركين كلّ شيء.

ماذا تُدركين؟

أصبحتِ تُدركين أنَّ ثلاثاء البايجرز وأربعاء المئة غارة باتا ركيزتَيْن لتاريخ لبنان والمنطقة الحديث. وتاريخكِ أيضاً. ذاكرةٌ جديدة تعيد صياغة علاقتك بنفسك وأهلك وأصدقائك. لم تعد علاقاتك وقتاً سعيداً أو حزيناً أمضيته مع غيرك، باتت علاقاتك سجلّاً لحدثٍ تاريخيّ. تتذكرين مثلاً الثياب التي كنتِ ترتدينها والتسريحة التي اخترتِها ورجفة صوت الفتاة التي تصرخ في الفيديو «يا ماما». تشكّين بالمعنى الذي بنيتِ حياتك على أساسه. ما عدتِ ترَين الأمور بالوضوح نفسه. 

ستتذكرين كلّ تفاصيل هذا اليوم في الكارثة القادمة.

تُدركين أنّ إسرائيل دشّنت في المدينة التي تسكنينها جرائم حرب جديدة: تفخيخ أجهزة الاتصال، ثمّ التبجّح بذلك، وقتل المئات بعشر دقائق، والتبجّح مجدداً. تدمّر إسرائيل بيوت أصدقائك، تهجّرهم، تقتل أشخاصاً تعرفينهم، تمحو عائلات في ضيعٍ كنتِ تشترين خبزاً منها، تُنهي أجزاءً من حياتِك، ثمّ تُهينكِ. يتحدّث رأس هذه الأفعى عن عبقريّة عمليّة البايجرز، وأنتِ ما زلتِ تشعرين بألمٍ معنويّ في عينيك. يشرعنُ وزيرٌ مقزّز محاصرتك بمئة غارة، لأنكِ بنية تحتية إرهابية، هدفٌ مُبَاح، لستِ أكثر.

ستُصبح جريمة البايجرز وأربعاء المئة غارة كعقيدة الضاحية. سيتحوّل أحد أسوأ أيّام حياتك لإرشادات تستلهم منها أيّ ماكينة إبادة مستقبلية. يصبح تفجير البايجرز والمئة غارة مثل تفخيخ المنازل الحدوديّة بمشهدٍ كارثي ترينه كلّما أغمضتِ عينيك. يصبح البايجرز والمئة غارة مثل الذكاء الاصطناعي الذي نسف مباني كاملة في غزّة «عن طريق الخطأ»، وبات سلاحاً شرعياً. أصبحتْ حياتُكِ دليلاً حربياً وموسوعةً عسكريّة.

تُدركين أنك عاجزة أمام الكارثتَيْن، وستبقين كذلك. ليسَ لديكِ سوى وجوه شاحبة تحبّينها، أيادٍ تبحثين عنها لتختبئي بها، وعيونٌ أدركت كلّ ما أدركتِه.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
استشهاد المُسعفَين مهدي مدني ويوسف زهرة في استهداف إسرائيلي مباشر لدير قانون رأس العين 
أمين عام حزب الله في رسالة للبنانيّين ندعو المسؤولين إلى إيقاف التنازلات المجانية
سموتريتش: سنوسّع حدودنا حتى الليطاني
زامير: لبنان ساحة قتالنا الرئيسية
الغارات ليلاً: استهداف قرى النبطية وحزب الله يردّ بصواريخ على حيفا 
تعليق

عن صُوَر مهزوزة للكارثة

أحمد غصين