يكتسح اليمين المتطرّف– وضمناً ورثاء النازية– الانتخابات الأوروبية في لحظة تسليح (weaponizing) للهولوكوست. هذه المفارقة لا تدلّ فقط على استغلال الهولوكست عنصريًا لمحاربة الجاليات المُسلمة وداعمين القضية الفلسطينية، بل عن تحوّل المؤسّسات الليبرالية إلى الممرّ لصعود الفاشية.
فوز الـAFD
فاز حزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) اليميني المتطرّف بانتخابات ولاية «سكسونيا-أنهالت»، وحصل على نصف أصوات الناخبين تقريباً. قد لا يستطيع تشكيل حكومة في الولاية لكونه أخفق في تأمين الأغلبية المطلقة من المقاعد مع رفض الأحزاب الأخرى التحالف معه، ضمن سياسة «جدار الحماية». لكنّ هذا لن يلغي حقيقة النتائج، أنّ أكبر حزب بألمانيا اليوم هو حزب يتماهى مع رموز وتاريخ الحقبة النازية، مصنفٌ من قبل المكتب المحلّي لجهاز الاستخبارات الداخلية الألماني كـ«جماعة يمينية متطرّفة».
اليمين المتطرّف عالميًا
فوز حزب البديل من أجل ألمانيا ليس معزولًا، بل بات جزءًا من موجة صعود أحزاب متطرّفة يمينية، باتت تشكّل نوعاً من «الأممية الرجعية». فمن إيطاليا إلى إسرائيل، مرورًا بتشيكيا وفنلندا، ووصولًا إلى الهند وسلفادور وتشيلي وغيرهم من الدول، بات اليمين المتطرّف، والذي كان منذ أقلّ من عقد شبه معزول في العوالم السياسية الغربية، هو الحزب الحاكم. ومن المُرتَقَب أن يُستكمل هذا المدّ في فرنسا وربّما بريطانيا. وجاء احتفاء ترامب وماسك (ودبلوماسيّين روس) بالنتائج ليؤكّد صعود هذه «الأممية» وتأثيرها الخطير على السياسة. فوز حزب البديل من أجل ألمانيا ليس معزولًا، لكنّه الأكثر دلالة لكونه حصل في بلد من المفترض أنّه محصّن ضدّ الفاشية جرّاء تاريخه. هذه الحصانة سقطت اليوم.
الفاشية الصاعدة
ما زلنا نسمّيه يمينًا متطرّفًا لتفادي مواجهة حقيقة هذه الأحزاب، والتي تدلّ جميعها على الإرث الفاشي لليمين المتطرّف. سواء أكان في «زحطات» بعض ممثّلي هذه الأحزاب، أم في طرائق حكم بعض أحزابها في السلطة، أم في خطاباتها التي باتت تتطرّف تدريجيًا: لم نعد أمام انزلاق نحو اليمين، بل دخلنا في عالم الفاشية، خاصّةً مع انتخاب حزب البديل من أجل ألمانيا. فبأقلّ من سنة، عادت التحيّة النازية إلى الإعلام، وعاد الكلام الإقصائي عن اليهود والمُسلمين والمثليين، وعاد تمجيد القائد وعنفه، وعادت شيطنة الاختلاف وعاد الحكم بالقرارات الإدارية، وعادت الاعتقالات خارج إطار القانون ومخيّمات الاعتقال. عادت كلّها، وباتت، ليست فقط مقبولة، بل خطاب حكم.
الدفاع عن قدسية الهولوكوست
عادت رموز الفاشية في لحظة إعادة تسليح الهولوكوست غربيًا، لمواجهة تداعيات السابع من أكتوبر. فعاد هذا الحدث إلى الحاضر ليتحوّل إلى ذروة الأخلاق الليبرالية ونقطة غير قابلة للتفاوض، كمدخل لرفض أي اعتراض على السياسة الإسرائيلية. سمح هذا التسليح لذكرى الهولوكوست باتّهام أي معترض على سياسة نتنياهو بمعاداة السامية. لكنّ هذا التسليح، ومعه رفع تجربة الهولوكوست إلى نقطة ارتكاز النظام الأخلاقي الأوروبي، لم يمنع إعادة انتخاب ورثة مُرتكبي الهولوكوست، ومن بينهم ورثاء مباشرين. فمن بين بنود مشروع حكم حزب البديل من أجل ألمانيا، مثلًا، الحدّ من التركيز على الحقبة النازية في المناهج التعليمية. وهنا المفارقة الغربية، والتي تبدو كحالة انفصام في الحيّز السياسي الغربي بين تقديس لدرس الهولوكوست واكتساح انتخابيّ لورثاء مُرتكبي المحرقة.
أزمة الليبرالية الغربية
يمكن اعتبار هذه المفارقة نتيجةً لعنصريّةٍ غربية، سلّحت الهولوكوست لمحاربة الجاليات المسلمة والداعمين للقضية الفلسطينية، ولا تمانع انتخاب ممثّلين عنصريين لاستكمال هذا التسليح. لكنّها تعبّر أيضًا عن تناقض الليبرالية الغربية في مواجهة صعود التطرّف اليميني. لم يعد أمام هذا الوسط الليبرالي ما يقدّمه في وجه هذا الصعود، خارج ترداد عموميّات عفا عليها التاريخ أو التهويل من خطر «التطرّف الآخر»، أي اليسار، أو محاولة التماهي مع شعارات اليمين المتطرّف. تأتي مسألة الهولوكوست لفضح نوعًا آخر من التماهي. ففي اللحظة التي يتمحور فيها خطاب الليبرالية على «الشكل»، تُعيد الفاشية ابتكار معنى هذه الرموز؛ أي في اللحظة التي تتمحور فيها الليبرالية حول شكل الهولوكوست ودروسه، جاءت الفاشية لتُعيد تعريفه كطَي لصفحة الماضي وشيطنة لأقليّات جديدة. هكذا يتحوّل ليبراليّو أوروبا إلى مدخلٍ لصعود الفاشية، يمهّدون الطريق لها، هذا قبل أن ينجرّوا، تدريجيًا، نحو خطابها. فعالم سياسيّ حوّل الهولوكوست إلى معيار أخلاقي وفي اللحظة ذاتها، أعاد انتخاب ورثاء هذه المحرقة، هو عالم بات شكله أقرب إلى وعاء قديم لأفكار جديدة، عنيفة وخطيرة.