تعليق الحرب على لبنان
طارق أبي سمرا

نزاعنا الأهليّ في زمن الحرب الإسرائيليّة

18 آذار 2026

بَلَدان، كلاهما عملاء وخونة

لا اتفاق على مَن هو العدوّ: إسرائيل أم حزب الله. 

هذه حال اللبنانيّين في الحرب الراهنة، وقد بلغ الشرخ بينهم حدّاً لعلّه غير مسبوق منذ نهاية الحرب الأهليّة. فلبنان مشطورٌ الآن إلى بلدَين: بلد في حرب مع إسرائيل يقوده حزب الله، وبلد آخر يسعى إلى السلام مع إسرائيل، متحيّناً اللحظة المناسبة للانقضاض على حزب الله.

كلٌّ من هذين البلدَين عميل وخائن في نظر الآخر: الأوّل عميل إيرانيّ انتحر بلبنان نُصرةً للجمهوريّة الإسلاميّة، والثاني عميل أميركيّ إسرائيليّ لا يكترث بالاحتلال والاعتداءات ويسعى إلى تنفيذ شروط مُشغِّلَيه. والعميل، في وعي كلٍّ من الطرفَين، امتداد عضويّ للعدوّ، إلّا أنّه، بسبب خسّته ودناءته، مكروه أكثر من العدوّ، فلا مجال للصلح معه، وإذا دُفِع هذا المنطق إلى خواتيمه غدت إبادتُه نتيجةً شبه حتميّة. لذلك فإنّ الكراهية بين اللبنانيّين، أحزاباً وجماعاتٍ وحتّى أفراداً، باتت عميقةً مسعورةً وربّما تفوق كراهيتهم لإيران وإسرائيل.

شروط الحرب الأهلية

تكفي نظرة سريعة إلى الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لإدراك أنّ الشروط النفسيّة والانفعاليّة لحرب أهليّة متوافرةٌ. صحيح أنّ التخوين لطالما كان في صلب اللغة السياسيّة اللبنانيّة، إلّا أنّه أضحى الآن تخويناً مُعمَّماً يُمارسه الطرفان في زمن القتل والدمار. أمّا ما ظهر في الحرب السابقة من تضامن مع النازحين الشيعة، فقد ضَمُر، فيما الغضب والكراهية، يُغذِّيهما الخوف، أخذا يحلّان محلّه.

مؤشِّرٌ آخر، يتجلّى خصوصاً في ما يُكتب على وسائل التواصل الاجتماعي، هو أنّ الحرب هذه تبدو، في حديث اللبنانيّين، كما لو أنّها مسألةٌ داخليّة صرفة. فإسرائيل تكاد تكون غائبةً عن كلام كلا الفريقَين، ذاك أنّ معظم ما يقوله اللبنانيّون على تلك المنصّات هو مجرّد شتيمةٍ، صريحةٍ أو مُبطَّنةٍ، للبنانيّين آخرين، شتيمةٍ تتحوّل، لدى بعض مَن هم في منأى نسبي عن القصف (أي غير الشيعة)، إلى تشفٍّ من الفريق الآخر المُستَهدَف بالقتل والتهجير– تشفٍّ قد يبلغ أحياناً حدّ الحبور. كأنّما إسرائيل المنسيّة تقريباً تخوض حربنا الأهليّة بالوكالة.

وإذا انتقلنا من حيّز الخطاب والكلام إلى حيّز الأفعال، تبيّن أنّ أيّاً من الطرفَين لا يكترث بتعريض البلد لمخاطر وجوديّة. فحزب الله افتتح حرباً موسَّعة لا أفق سياسيّاً لها، نتيجتها الأكثر ترجيحاً هي الخراب والتهجير والاحتلال والهزيمة، ولا يمكن تفسيرها، تالياً، سوى بكونها امتثالاً أعمى للإملاءات الإيرانيّة. إنّه مستعدٌّ، إذاً، لتدمير لبنان من أجل الجمهوريّة الإسلاميّة. وهذا ما يجعل الطرف الآخر يرى في حزب الله نفسه خطراً وجوديّاً ينبغي إزالته بأيّ وسيلة كانت، فيسعى إلى زجّ الجيش في مواجهة داخليّة، مراهناً أنّها أقلّ كلفة من استمرار الحرب الإسرائيليّة، فيما النتيجةُ الأكثر ترجيحاً لمثل هذا المسار هي، في الواقع، اندلاع اقتتال أهليّ. في سعيه إلى القضاء على حزب الله، إذاً، يجرّ هذا الفريقُ لبنانَ إلى دمار شبه مؤكَّد.

الانقسام الأهلي يبتلع الدولة

ما يزيد الأمور استعصاءً ويجعل الحرب الأهليّة احتمالاً قائماً هو أنّ الانقسام الأهليّ الحادّ ابتلع الدولة ممثَّلةً باثنتين من مؤسّساتها، رئاسة الجمهوريّة ومجلس الوزراء. فمنذ توقيع اتّفاق وقف إطلاق النار عام 2024، انحدرت الدولة اللبنانيّة إلى ضعف وعجز غير مسبوقَين في عمر الجمهوريّة الثانية التي أسَّسها اتّفاق الطائف. والسبب أنّه بعد الحرب الإسرائيليّة الأخيرة (2024)، باتت مهمّة الحكومة الرئيسة، بل علّة وجودها، تتمثَّل في حلّ معضلة لا حلّ لها ولا تحتمل التأجيل: سلاح حزب الله. فنزع السلاح قد يفضي إلى حرب أهليّة، وعدم نزعه قد يفضي إلى حرب إسرائيليّة موسَّعة. وفي هذا المأزق، وتحت هذَين التهديدَين الوجوديَّين، لم يكن في وسع الحكومة سوى الوقوف على ما يُشبه الحياد بين حزب الله وإسرائيل، أي المماطلة والتسويف – مماطلة وتسويف تَبَدَّيا قاتلَين كما كان متوقَّعاً. فالحرب الإسرائيليّة اندلعت من جديد، وأصبح على الحكومة أن تخرج عن «حيادها»، وأن تقدِّم لإسرائيل ما يمكنها تقديمه، علّ الأخيرة ترأف بلبنان وتكبح بعضاً من نزعتها التدميريّة.

هذا ما حتّم على الحكومة التعامل مع إسرائيل كما لو أنّها كارثة طبيعيّة، وهو ما يُفسِّر «استسلامها» منذ اليوم الأوّل للحرب. فمن منظور الحكومة وموقعها بالغ الضعف، تقع إسرائيل خارج نطاق السياسة، إذا جاز التعبير: هي أقرب إلى قوّة لاعقلانيّة تتجاوز الخير والشرّ، فتشبه قوى الطبيعة التي تتسبّب بكوارث بين مدّة وأخرى، كالرياح التي تُولِّد الأعاصير، أو كحركة الصفائح التكتونيّة التي تُحدِث الزَّلازل. لا شيء تستطيع الحكومة فعله إزاء إسرائيل سوى محاولة الاحتماء منها، وهذا ما سعت إليه بقرارها حظر نشاطات حزب الله الأمنيّة والعسكريّة بوصفها خارجة عن القانون، وبالدعوة إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

لكنّ قرار حظر نشاطات حزب الله الأمنيّة والعسكريّة في خضمّ حربٍ يعني عمليّاً تصنيفه عدوّاً– لا بل العدوّ الرئيسي، إن لم يكن الوحيد– وتحوّل الدولة إلى طرف في الانقسام الأهلي الراهن. لا شكّ في أنّ الحكومة لم تملك خياراً آخر، بيد أنّ مثل هذا القرار، حتّى لو لم يُطبَّق، لا يمكنه إلا أن يعمِّق الشرخ بين الجماعات اللبنانيّة، ذاك أنّ شريحة كبيرة من الجماعة المُستهدَفة بالقصف الإسرائيلي سترى أنّ دولتها تسعى إلى تحقيق ما يُريده العدوّ الذي يقتلها ويُدمِّر مناطقها. ومن تداعيات هذا القرار أيضاً أنّ حزب الله بات يرى أنّ الحكومة تتآمر عليه إذ تريد تجريده من سلاحه في خضمّ المعركة. لذا، فإنه يعتبرها عميلةً لعدوّه، كمثل حكومة فيشي الفرنسيّة في الحرب العالميّة الثانية.

ما همّنا مَن البادئ وقد شرع الجميع في ذبح الجميع؟

نحن إذاً أمام انقسام أهليّ لا يقتصر على الأحزاب والطوائف والجماعات، إذ انحازت الدولة رسميّاً إلى أحد طَرفَيه حين مأسست الحكومةُ الانقسامَ وكرّسته قانونيّاً بالقرار الذي اتّخذته يوم اندلاع الحرب. لكنّ الأخطر من ذلك أنّه شرخ لا يستطيع أحدٌ أن ينأى بنفسه عنه ولا حتّى أن يكابر عليه، فلا مُبالغة في القول إنّ كلّ فرد منّا نحن اللبنانيّين بات منخرطاً في النزاع الداخليّ إلى حدّ ما، وإنّ أحداً لم يعد خارج الاصطفاف الراهن.

غير أنّ هذا لا يعني وجوب المساواة بين طرفَيّ النزاع الداخلي اللبناني. فحزب الله الذي اغتال مَن اغتالهم وخاض حروباً إقليميّة وحوَّل المقاومة إلى مشروع للهيمنة على الطائفة الشيعيّة كما على المجتمع اللبناني وحياته السياسيّة، يتحمّل المسؤوليّة الكبرى في ما وصلنا إليه وما يمكن أن يحصل لنا في الغد القريب. 

لكن تنبغي الإشارة، أخيراً، أنّ مِن خصائص الحروب الأهليّة الصعوبة البالغة، عموماً، في تحديد الطرف المسؤول عن حدوثها– وأنّ حربنا الأهليّة الجديدة، إن اندلعت، ستحيل السؤال عن المسؤوليّة تفصيلاً تافهاً لا يبالي به أحد: فما همّنا مَن البادئ وقد شرع الجميع في ذبح الجميع؟  

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
إسرائيل تستهدف عدّة مبانٍ في بيروت
تعليق

نزاعنا الأهليّ في زمن الحرب الإسرائيليّة

طارق أبي سمرا
مأوى للحيوانات يتحدّى الحرب
17-03-2026
تقرير
مأوى للحيوانات يتحدّى الحرب
حدث اليوم - الثلاثاء 17 آذار 2026
العملية البريّة في الجنوب: خريطة المحاور والأهداف
ترامب وهرمز: كيف تجاوب قادة العالم؟