قضية الأسبوع الحرب على لبنان
ميغافون ㅤ

لسنا على الضفّة نفسها 

عن إعادة «تملّك الملف بصيغة لبنانية»

18 نيسان 2026

وقف إطلاق النار على «الجانب نفسه من المعادلة»

حصلنا، إذاً، على وقف لإطلاق النار لعشرة أيّام. وبحسب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستكون الحرب اللبنانية- الإسرائيلية هي الحرب العاشرة التي يوقفها. ولأجل ذلك، سيدعو رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيسَ اللبناني جوزاف عون إلى البيت الأبيض حيث سيعقدان أولى المحادثات المجدية منذ العام 1983. 

سبقت إعلانَ ترامب جولةٌ من المحادثات في واشنطن، شاركت فيها السفيرة اللبنانية ندى معوّض والسفير الإسرائيلي يحيئيل ​ليتر. بعد المحادثات، صرّح ليتر إنّ الحكومة اللبنانية أوضحت أنّها لم تعُد ترغب في أن تكون محتلّة من حزب الله. صرّح ليتر أيضاً أنّه اكتشف خلال المحادثات أنّ إسرائيل ولبنان هما على الجانب نفسه من المعادلة. وفي تدبيرٍ رمزيّ أُريد منه أن يكون تجسيداً بصريّاً لكلام ليتر، وقف الأخير إلى جانب السفيرة اللبنانية في الصورة التذكارية، بدلاً من أن يتوسّطهما الراعي الأميركي.

حصلنا، إذاً، على وقف لإطلاق النار لعشرة أيّام. لكن هناك ثمن لهذه الهدنة في القتال، وهو «شرعنة» الرواية الإسرائيلية عن الحرب، أي رواية التحالف الضمني بين أمن إسرائيل وسيادة لبنان. حاول «لبنان الرسمي» التمايز عنها، لكنّ موازين القوى والضغط الأميركي لا تزال تحاول فرض هذه الخلاصة كروحية للاتفاق.  


وقف إطلاق النار ترجمة للميدان

المسألة تتجاوز البروتوكول أو التصاريح. 

فالمخطّط الإسرائيلي للمرحلة المقبلة هو التجسيد الميدانيّ لكلام ليتر، وقد كشف عنه الوزير السابق رون ديرمر المقرَّب جدّاً من نتنياهو، والذي عيّنه الأخير مسؤولاً عن الملفّ اللبناني.

وفقاً لديرمر، سيُرسَم في جنوب لبنان خطّ أصفر شبيه بالخط الأصفر في غزّة ليقتطع «شريطاً حدودياً» بعمق 8 كيلومترات تقريباً، تحتلّه إسرائيل. وما يُفهَم من تصريحات ضبّاط إسرائيليّين هو أنّ ما تبقّى من بيوت داخل هذا «الشريط» ستُدمَّر بالكامل حتى تصبح هذه المنطقة أرضاً محروقة إلى حين الانتهاء من نزع سلاح حزب الله. أمّا المنطقة الممتدّة من الخطّ الأصفر إلى الليطاني، فستكون منطقة عمليات عسكرية. وبحسب الادّعاء الإسرائيلي، سيتمّ تسليمها إلى الجيش اللبناني بعد «تطهيرها». أمّا شمال الليطاني، فمتروك للجيش اللبناني حتى يتولّى نزع سلاح حزب الله.

لا يتناقض مخطّط دريمر مع بنود إعلان وقف إطلاق النار الجديد. فالاتفاق الذي تتنافس الأطراف على تبنّيه كما لو أنّه إنجاز، لا إنجازَ فيه إلا وقف إطلاق النار نفسه (وهو إنجاز بحقّ). أمّا بنوده، فتنصّ على: الحفاظ على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس، وذلك في أيّ وقت، ضدّ هجمات مخطَّطة أو وشيكة أو جارية، ما يعني أنّ باستطاعة إسرائيل القيام بأعمال تعدّها استباقيّةً بحجّة هجمات تزعم أنّه يُخطَّط لها ضدّها. أضف إلى ذلك إعلان نتنياهو أنّ وقف إطلاق النار يطال الغارات الجويّة فحسب، أي أنّ العمليات البرية في جنوب لبنان قد لا تتوقّف. 


لا احتلالَ بين بلدَيْن «ليسا في حالة حرب»

ومن البديهيّ، في هذه الحالة، أن يكون الاتفاق قد تجاهل كلياً كلمة «انسحاب إسرائيلي» أو «احتلال». وهذا نتيجة الرؤية السياسية الضمنية للاتفاق، ذلك أنّه ينصّ على أنّ لبنان وإسرائيل ليسا في حالة حرب، وأنّ تمديد هدنة العشرة أيّام مرتبط بإظهار لبنان بشكل فعّال قدرته على ممارسة سيادته. فحالة الغرابة هي أنّ اللقاء في واشنطن لم يكن بين ممثّلي بلدَيْن بحالة حرب، بل بين بلدين يتقاسمان حدودًا فيها حرب، تتطلب تعاوناً بينهما لحلها. فمن يقرأ تفاصيل الاتفاق، يعتقد أنّه يقرأ اتفاقية تعاون تقني بين حكومتين لحلّ أزمة طبيعية واقعة على حدودهما. 


الميدان الذي لم يعد في صالح حزب الله

منذ حرب الإسناد وحزب الله يهدّد بالميدان، معتبرًا أنّ على الأرض ستكسر شوكة المحتلّ، وصولًا إلى استدراجه لمقاتلته. ومع الاحترام الكامل لمَن قاوم، وصمدَ لأيام عدة، إن لم يكن لأسابيع، وأخّر التقدّم البرّي الإسرائيلي، فإنّ واقع الميدان جاء في النهاية مغايرًا لحسابات حزب الله، وأصوات رصاص الابتهاج لن تخبّئ هذه الحقيقة. 

فإذا كان صحيحًا أنّ اتفاق وقف إطلاق النار السابق ما كان مقدَّراً له الصمود في ظلّ الخروقات الإسرائيلية المستمرّة، فصحيح أيضاً أنّه كيفما قرأت الاتفاق الجديد، لا يمكن بأيّ حال من الأحوال اعتباره اتفاقاً متقدِّماً على اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024. وهذا يعني أنّ «الجولة القتاليّة» الجديدة، سواء أقدم عليها حزب الله لإسناد إيران أو لتحسين شروط وقف إطلاق النار السابق، أدّت إلى احتلال مساحات أوسع، وإلى دمار أكبر، وإلى اتفاق أسوأ. وهذا ما يتطلب إعادة نظر بما يمكن تحقيقه بالميدان، والتعويل المُكلف عليه. 


الخيارات الداخليّة المستحيلة

بدت ليلة «البي-7» احتفالاً بوقف إطلاق النار أشبه باستعراض قوّة موجّه من حزب الله إلى الداخل اللبناني. وتزامن ذلك مع دعوات مستعجلة لإسقاط الحكومة ومحاولات لتهشيم صورة رئيس الحكومة كما لو أنّه المسؤول عن المآسي التي نعيشها. أما على صعيد «لبنان الرسمي»، فيجري تقديم مسألة «حصر السلاح» كتعويذةٍ ستنهي الحروب والاحتلال المستجدّ وعودة النازحين وإعادة إعمار القرى المدمّرة. وإلى يمين الموقف الرسمي، هناك مَن لا يجد في كلام السفير ما يستدعي الاعتراض. يكفي استعادة ما فعلته بعض القنوات اللبنانية التي لم تستطع ضبط هرولتها لرؤية الأرزة اللبنانية ونجمة داوود جنباً إلى جنب، في مشهد لم يشكّل بالنسبة لها إلا دليلاً قاطعاً على استعادة لبنان سيادته وقراره الحرّ بالتفاوض مع من يشاء.

يعرف الجميع أنّ الحفاظ على لبنان، كما نعرفه، بحدوده ووحدته، بات اليوم على المحكّ ويتطلّب أكثر من ذلك. ذلك أنّ الأطراف اللبنانية لم تنتظر تثبيت وقف إطلاق النار للكشف عن النزاع الداخلي الكامن تحت الحرب الخارجية. ورغم عنفوان الطلات التلفزيونية وطلقات النار الابتهاجي، فإنّ الأزمة الفعلية هي أنّ كل هذه الخيارات السياسية غير قابلة للحياة، ولا وجود لها إلّا في حالة الصراع هذه.  

«إعادة تملّك هذا الملف بصيغة لبنانية»

بات هناك حاجة لحوار داخلي، إن لم يكن لحل خلافات بات عمرها عقود، فعلى الأقلّ لإدارة المرحلة القادمة، بما يتطلبه الأمر من مرونة دبلوماسية وحفظ للسلم الأهلي. من أجل ذلك، يُستحسَن ضبط المهروِلين وضبط المغامِرين. فالمأساة أعمق بكثير من أن تُترَك لانفعالاتٍ سريعة. ولا بأس، في ذكرى الحرب الأهلية، أن يتذكّر الجميع دروسها، سواء لجهة عدم تحميل لبنان ما لا طاقة له على احتماله من حروب، أو ما لا طاقة له على احتماله من اتفاقات.

وإذا أردنا «توطين» هذا الاتفاق، أي عدم تحويله إلى مصدر انفجار داخلي، فعلينا البدء بقبول فكرة أن مسألة بسط سلطة الدولة أو حصر السلاح باتت أكثر إلحاحاً، وجزءاً من التزامات الدولة اللبنانية، وفقدَ سجال جنوب/ شمال الليطاني معناه. لكنّ ذلك لا يمكن أن يتمّ وفق تقاسم عمل نظريّ أو عمليّ بين الجيش اللبناني وإسرائيل، كما تلمّح له تصريحات السفير الإسرائيلي في واشنطن. 

وإذا كانت الحكومة الحالية لا تزال عاجزةً عن بلورة رؤية في هذا السياق، فإنّ وزير الثقافة غسان سلامة، في مقابلة مع لوريان لوجور غداة جلسة المحادثات في واشنطن، أعطى لمحةً عمّا ينبغي أن يكون عليه الموقف الرسمي اللبناني، متطرِّقاً إلى استحالة النظر إلى حزب الله بعيونٍ إسرائيلية، مهما بلغت الخلافات معه. كما يستحيل النظر إلى الجيش اللبناني كجيشٍ يُكمل ما بدأه الجيش الإسرائيلي داخل لبنان: بالنسبة للجيش الإسرائيلي، حزب الله هو عدوّ. نقطة على السطر. بالنسبة للدولة اللبنانية، لا يمكن أن يكون الأمر كذلك. قد يكون حزب الله حزباً انحرف إلى مسارات تُلحق الضرر بالمصلحة الوطنية، لكنه لا يمكن أن يكون عدوًّا «صافيًا» كما هو بالنسبة للإسرائيليين. لذلك، لا بدّ من إعادة تملّك هذا الملف بصيغة لبنانية، وليس التعامل معه كمجرّد استكمال لما بدأ الإسرائيليون القيام به.

هذا في ما يخصّ الحكومة، أما في موضوع حزب الله…

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
جيش الاحتلال ينفّذ تفجيرات ضخمة جنوب الليطاني
قضية الأسبوع

لسنا على الضفّة نفسها 

ميغافون ㅤ
العودة إلى النبطيّة: باقة ورد وغُبار
17-04-2026
تقرير
العودة إلى النبطيّة: باقة ورد وغُبار
جنوبيّون 
17-04-2026
نظرة
جنوبيّون 
عون: المفاوضات ليست ضعفاً ولا تراجعاً ولا تنازلاً
حدث اليوم - الجمعة 17 نيسان 2026
17-04-2026
أخبار
حدث اليوم - الجمعة 17 نيسان 2026