«انا مستعد للذهاب حيثما كان لتحرير أرضي»
بين جولتي المباحثات الأوليّة بين لبنان وإسرائيل، أطلّ رئيس الجمهورية على اللبنانيين للدفاع عن خيار المفاوضات كالمسار الوحيد المتاح لوقف الحرب وتحرير الأراض وحماية سيادة الدولة. خصّص عون أكثرية خطابه لمهاجمة من يشكّك بصوابية هذا المسار أو يخوّن أصحابه، معتبرًا أنّ الهجوم على خيار التفاوض نابع من رفض البعض أن تستعيد الدولة اللبنانية سيادتها: هذه المرحلة، كما في التي سبقتها، نحن واثقون أننا سننقذ لبنان، واثقون في الوقت نفسه أننا سنكون عرضة لكل الهجمات لسبب بسيط هو أننا استعدنا لبنان وقرار لبنان.
خطاب الرئيس عون مخصّص للداخل، هو جزء من سجال داخلي يقوم على ثنائية السلام أو الحرب، كالخيارين الوحيدين، ويفرز الداخل بين من يريد الازدهار ومن يبغى الانتحار:
فبين الانتحار والازدهار، أنا وشعبنا مع الازدهار وضد الانتحار، وبين الشعارات المضللة التي تدمّر والخطوات العقلانية التي تعمّر، أنا مع شعبنا مع العقلانية، بين الموت العبثي المجاني والدوري بذرائع القضايا الخارجية وبين الحياة ووطننا وأهلنا بكرامة وحرية ورفاه، أنا وشعبنا مع الحياة.
ينضوي هذا الخطاب ضمن الاصطفاف الداخلي، والذي يبدو وكأنّه قائم على مواجهة كاملة بين مشروعين، ما من إمكانية لأيّ تلاقٍ بينهما. فبين حزب الله وتمسّكه المهترئ بمبدأ المقاومة والعلاقة بإيران من جهة، ودعاة السلام وتصعيدهم الخطير وفرضيّاتهم الساذجة، من جهة أخرى، جاء خطاب عون ليحسم أيّ التباس حيال موقف «لبنان الرسمي» إلى جانب الطرف الثاني.
فبدل أن يُرفَع موضوع التفاوض من زواريب السياسة اللبنانية، أعاد خطاب رئيس الجمهورية مسار التفاوض إليها، ما أفقده فرصة ثمينة لإعادة وضع هذا الملف في إطار جامع، قد يجعل من التفاوض فرصة لفتح ثغرة في الاصطفاف الحالي.
الاستعجال إلى «حيثما كان»
لكن إن وضعنا جانبًا للحظة موقف حزب الله، والذي لم يعد له أيّ أرضيّة غير قوّة السلاح الداخلي والخوف من نزاع أهلي، هناك حاجة لمناقشة خيار التفاوض، من خارج ثنائية «السلام أو الحرب». فالنقاش الفعلي ليس في السجال الإعلامي حول عنفوان المقاومة مقابل ذلّ السلام، أو انتحار حزب الله مقابل خيرات السلام. هذا السجال الذي يخاض بالولدنة المعتادة للسياسة اللبنانية، يخفي النقاش الفعلي حول تفاصيل هذا التفاوض وأفقه والمقاربة الداخلية التي يجب أن تواكبه.
فالموقف الداعم للسلام يعاني من سذاجة حيال طبيعة هذا السلام، معتبرًا إياه خاتمة أحزان لبنان من دون أي محاولة لتقديم رؤية عن شكل هذا السلام. كما يعاني من أفق محدود للخيارات المتاحة، حاصرًا إياه بسجال ثنائيّ الأبعاد، بين السلم والحرب، ما يفقده أي مرونة تفاوضية، حتى في ظل انعدام موازين القوى. وأخيرًا، يقوم على عداء فئة من الشعب اللبناني، ما يفاقم صعوبة مسألة سحب السلاح.
فالصفة الأساسية لدعاة السلام المحليين هي الاستعجال، بدفع من رئيس أميركي مستعجل أيضًا لتحقيق أي إنجاز، قد يعكس سجلّ الخيبات التي يواجهها منذ حربه على إيران. والاستعجال لا يُضعف التفاوض وحسب، بل يحوّل معناه. فهو لم يعد تفاوضًا مع طرف مقابل، نتيجة قرار نابع من قوة إيماننا بحقنا، كما قال الرئيس عون، بل بات تفاوضًا ضد طرف داخلي، علينا الاستعجال بإتمامه قبل تحوّل الظروف الإقليمية مجددًا. هذا التفاوض، عكس ما يؤكّده الرئيس، هو ضعف وتراجع.
توسيع أفق التفاوض
بين قطبَيّ الصراع الداخلي، هناك أصوات متفرّقة تحاول «عقلنة» حماسة الطرفَيْن والبحث عن أطر مختلفة لمقاربة مسألة التفاوض. من بين هذه الأصوات، النائب السابق وليد جنبلاط ووزير الثقافة غسان سلامة، اللذين قدّما في مقابلتين لهما، مقاربات تفتح ثغرة في الحائط الداخلي المسدود، وكذلك محاولات رئيس مجلس النواب البحث عن مخرج لتفادي انفجار الأزمات الداخلية. ليس المطلوب الاتفاق مع هؤلاء السياسيين، لكنّهم يقدّمون أصواتاً تبتعد بعض الشيء عن الاصطفاف الحالي، وتؤمّن، على الأقلّ حتى الآن، مخرجاً من ميل البعض إلى إغلاق الحقل السياسي حول الاصطفاف الحالي.
ومن بين محاولات فتح الأفق، تقديم مقترحات تخرج عن الثنائية البائتة بين «الحرب أو السلام». فبين هذين الخيارين، هناك احتمالات أخرى. عاد جنبلاط إلى «اتفاق الهدنة»، كاتفاق مرحلي، يوقف حالة الحرب من دون الدخول حاليًا بمتاهات اتفاق سلام قد يأخذ سنوات من التفاوض، والذي ما زال يفتقد لشروطه الداخلية. وهذا ما أكّده سلامة أيضًا في مقابلته، عندما قال: هناك الكثير من الاحتمالات لأنّ نطاق النتائج الممكنة واسع. فهي تتراوح بين إعادة العمل بهدنة عام 1949 وصولًا إلى اتفاق سلام كامل الصيغة، مع طيفٍ من الصيغ الوسطية بين هذين الحدّين. علينا أن نتّفق أولًا على ما ينبغي أن نسعى إليه، قبل أن نذهب لطلبه من الإسرائيليين.
العودة إلى «اتفاق الهدنة» أو طرح «صيغ وسطيّة»، هو محاولة لفتح أفق النقاش الداخلي، خارج ثنائية «الحرب أو السلام» القاتلة للسياسة. تنبع محاولات كهذه من اعتبار أنّنا في مرحلة انتقالية، ما بعد الحرب وما قبل السلام، ما يتطلب صِيَغاً تواكب طبيعة هذه المرحلة، خارج العناد القاتل والاستعجال الساذج.
تحديد معالم السلام
يقارب دعاة السلام المسار التفاوضي وكأنّ لا خلاف بين الطرفين، ما يعمّق إحساس البعض بأن التفاوض ليس بين لبنان وإسرائيل، بل فقط حول مسألة حزب الله. فلم يقدّم أحد من المعنيين مقاربة عن الملفات المطروحة والمطالب اللبنانية والخطوط الحمر، خارج كلام عمومي عن السيادة ووحدة الأراضي وخيرات السلام. فالسلام هو امتداد لوقف إطلاق النار في نظرهم، أي تدبير أمنيّ ينهي القصف. فدعاة السلام ينظرون إلى السلام كمسألة داخلية، سلاح إضافي في وجه حزب الله.
لكنّ السيادة ليست وقفة عزّ، بل هي عمل دؤوب ومضجر حول ملفات أساسية تتطلب مفاوضات شاقة، حتى ولو كان لبنان في حالة ضعف. و«لبنان الرسمي»، إذ يتحضّر للبدء بالتفاوض، لا يعاني من حالة من الانقسام الداخلي وحسب، بل أيضًا من حالة من الضياع حول مطالبه وتصوّره وخطوطه الحمر. السلام ليس فقط حول نزع سلاح حزب الله، بل يضمّ أيضًا ترسيم الحدود والاتفاقات الاقتصادية وإدارة السيادة الجويّة وغيرها من الأمور التي لا يبدو أنّ هناك تحضيرًا جديًا للتفاوض عليها. «لبنان الرسمي» يقارب التفاوض مع إسرائيل وكأنّه حادثة «صخرة الروشة»، أي لا يهمّه منها إلّا صورة سيادته، وإن كانت تنطوي على ضعف فعلي.
تحديد طبيعة الخصم
سقطت إسرائيل من خطاب رئيس الجمهورية، فبدا وكأن عملية السلام هي مع مجهول الهوية في وجه حزب الله. وإذا كان مفهومًا وضروريًا أن تسقط أدبيات الممانعة التي صوّرت الوضع بطريقة تبسيطية معاكسة، فليس من المقبول دخول مفاوضات خارج أيّ تصوّر عامّ حول طبيعة الطرف الذي نتفاوض معه، على الأقلّ في المرحلة الانتقالية التي تسبق الاعتراف السياسي.
نبّه جنبلاط من مشاريع المناطق الأمنية، كما حذّر سلامة من النظر إلى حزب الله كعدوٍّ «صافٍ» كما هو بالنسبة للإسرائيليين. أي بكلام آخر، حاولا معاكسة الحملة الداخلية التي يقودها إعلام «تطبيعيّ قبل التطبيع» يحاول إظهار إسرائيل بصورة أكثر ورديةً مما تطمح إليه حتى إسرائيل نفسها. فليس مطلوبًا إعادة تدوير خطابات الممانعة حيال طبيعة إسرائيل، لكنّ مطلوب صورة واقعية عن مطالب إسرائيل وأهدافها. خارج هذا التقييم، تتحوّل المفاوضات بين دولتين إلى ما يشبه جلسة تصالح في ضيعة لبنانية، محكومة بلياقات اجتماعية. وهذا ما قد يكون عليه ميلُ دعاةِ السلام لتبسيط الأمور من أجل استعجالها.
مقاربة داخلية حيال السلاح
في وجه حماسة البعض لاستعمال الجيش لسحب السلاح، أو أبعد إلى «تطهير» الجيش من حزب الله، أي من أيّ عنصر يشكِّك بصوابية استعمال الجيش اللبناني لإتمام عملية سحب السلاح، هناك أصوات تواجه بواقعية هذا الخيار لما ينطوي عليه من أخطار داخلية. فسحب السلاح لا يمكن أن يقوم من دون تفاوض، كما يؤكّد جنبلاط، وعلينا التعلّم من تجارب مماثلة من سحب السلاح وإعادة دمج المقاتلين في القوى الرسمية، كما يقترح سلامة.
نذهب إلى مفاوضات هدفها سحب السلاح، خارج أيّ مقاربة رسمية حول كيفية سحب هذا السلاح، ليبدو الموقف الإسرائيلي المشكّك بجدية الموقف اللبناني عقلانياً. وفي ظل غياب مقاربة كهذه، تعلو الأصوات العنفية، والتي ترفض الاعتراف بما تطالب به عملياً. فماذا يعني استعمال الجيش لسحب السلاح، خارج أيّ حوار أو تفاوض، غير الاقتتال الطائفي؟
بين نهاية المقاومة وسلام لم يحِن أوانه بعد
ليس مستغربًا أن تتعرّض هذه الأصوات، وكل من يحاول البحث عن ثغرات في الحائط المسدود، إلى التخوين من قبل دعاة السلام الذي يتعاطون بعقلية الضربة القاضية. فيتمّ اتهام ذاك الخيار الوسطي بأنّه غطاء لحزب الله، يحاول تقديم مخارج تعفيه من الاستسلام الكامل.
في الواقع، تنبع الحلول الوسطية من الاعتراف بأنّنا في مرحلة انتقالية، انتهى فيها مشروع حزب الله، مع ما يعنيه من هيمنة عسكرية ومحاور إقليمية، لكنّنا لم ندخل بعد زمن السلام، غير الواضح المعالم. تنطلق الحلول الوسطيّة من فرضية أنّ مشاريع حزب الله باتت من الماضي، وعلينا البحث عن طرق لاحتواء آثار الانتقال إلى مرحلة مختلفة خارج المزايدات الإعلامية. أمّا من يستعجل السلام، متجاهلًا طبيعة المرحلة ومحمولاً بكره دفين، فبات جهله يشكّل خطراً على النسيج الداخلي، كما يضعف موقع لبنان التفاوضي.