تعليق الحرب على لبنان
طارق أبي سمرا

دفاعاً عن الرماديّة

8 نيسان 2026

مِن مساوئ الحروب أنّها تجعلنا مراهقين. فالمراهق كائنٌ خائفٌ وضائعٌ في متاهات الحياة، يحمل– للمفارقة– يقيناً صلباً لا يعرف الشكّ ولا يقبل المساءلة. إنّنا مثله خائفون وتائهون، ومثله أيضاً نُشهِر أفكاراً حديديّة لا تلين.

لكنّ المفارقةَ ظاهريّةٌ فحسب، فاليقين الصلب ليس إلّا قناعاً يتوارى خلفه التيهُ والذعرُ. ذاك أنّ مَن يرى عالمه ينهار يتمسّك بما يظنّه ثابتاً عصيّاً على التبدّل: الأفكار المُغلَقة والمُطلَقة. هكذا، إذ يتفتّت عالم الطفولة ويتحلّل، يلوذ المراهقُ بنظرةٍ إلى الحياة يراها البالغون متطرّفةً أو مثاليّة. أمّا نحن الذين نشهد ونعيش، في زمن الحرب، تداعيَ عالم الحياة اليوميّة العاديّة وانسدادَ أيّ أفقٍ للمستقبل، وننتظر معجزةً نعجز عن الإيمان بها، فإنّنا نزداد غلوّاً في آرائنا ومواقفنا، متشبّثين بأفكار فولاذيّة علّها تمنح عالمنا الهشّ شيئاً من الثبات.


وإذ ننظر إلى الحرب بعينَي مراهق، ماذا نرى؟

نرى أنّ الأمور بسيطة واضحة، لا تحتاج إلى تفكير بل إلى مجرّد الإشارة إليها بالإصبع أو ببضع كلمات. هكذا تغدو أسباب الحرب جليّةً لا تحتمل أيّ تعقيد: فإمّا أنّ حزب الله، مؤتمِراً بإيران، استجلب غزواً ما كان ليقع لولا إطلاقه صواريخ ستّة؛ وإمّا أنّ إسرائيل، مُتعاليةً على مبدأ السببيّة، كانت ستشنّ الحرب في كلّ الأحوال، وتحت أيّ ظرف، بذريعة أو من دون ذريعة.

وهكذا تغدو أيضاً وسيلة الخروج من الحرب ساطعةً كالشمس: فإمّا قتالٌ انتحاريٌّ حتّى زوال لبنان؛ وإمّا استسلام كامل يفضي إلى مفاوضات لن تكون سوى استجداءٍ واستعطافٍ، علّ إسرائيل ترأف بنا إذا التزمنا عدم استفزازها في المستقبل.

وهكذا نصبح في إزاء ثنائيّة حادّة تحتّم علينا تحديدَ عدوٍّ وحيد والانحيازَ، بالتالي، إلى أحد طرفَي الصراع، ولو ضمناً فحسب: إمّا إسرائيل وإمّا حزب الله.


أمّا الخائن الأكبر، فليس مَن يختار هذا الطرف أو ذاك، بل مَن يمكث في المسافة الفاصلة بين الإمّا الأولى والإمّا الثانية: مَن يرى أنّ حزب الله وإسرائيل أشعلا معاً حرباً لا مخرج منها، لا بالانتحار ولا بالاستسلام. بل مَن تساوره شكوكٌ كثيرة فلا يملك أيّ يقين:

  • لا يعلم ما الذي تسبّب فعلاً بالحرب.
  • لا يدري إن كانت ستقع لولا صواريخ حزب الله الستّة.
  • يجهل كيف يمكن إنهاؤها.

هكذا يجد نفسه في منطقة رماديّة لا خروج منها. وهذا تحديداً ما يجعله خائناً في أعين مَن لا يرون إلّا الأبيض والأسود، فينظرون إليه كما ينظر المراهقون إلى الراشدين، أي بوصفه مساوماً على مبادئه، وعاجزاً عن الجزم القاطع في أيّ مسألة كانت. والحقّ أنّه فعلاً عاجزٌ عن الجزم القاطع، إذ يفتقر إلى ذلك القناع الحديديّ الذي يواري به المراهقون خوفهم وتيهَهم. لذا، يظلّ تائهاً متردّداً، فلا يستقرّ على موقف أو رأي، ولا يجد حلولاً للتناقضات التي تؤرّقه: 

  • فهو لا يدري إن كانت المقاومة قد نتجت عن الاحتلال أم تسبّبت به، بل يرى أحياناً أنّها نتيجته وسببه في آن معاً.
  • ولا يدري إن كان حزب الله مقاومةً لبنانيّةً أم احتلالاً إيرانيّاً، بل يراه أحياناً مقاومةً واحتلالاً داخليّاً في آنٍ معاً.
  • ولا يدري إن كان ينبغي أخذ تصريحات بعض المسؤولين الإسرائيليين بشأن التوسّع على محمل الجد، بل يرى أحياناً أنّ نوايا حكومة نتانياهو يكتنفها الكثير من الغموض.
  • ولا يدري أيّ موقف يتّخذه من الحكومة اللبنانيّة، بل يرى أحياناً أنّها تسعى إلى تحقيق قدر من السيادة فيما هي خاضعةٌ تماماً للهيمنة الأميركيّة.

بالرغم من ذلك، فإنّه يملك يقيناً مطلقاً واحداً: أنّ الحرب الأهليّة أشنع ما يمكن حدوثه، وأسوأ حتّى من الاحتلال الإسرائيلي أو من عودة هيمنة حزب الله على الداخل اللبناني. لا بل يملك يقيناً مطلقاً آخر: أنّ المراهقين المذعورين التائهين يساهمون، عن وعي أو بلا وعي، في دفع البلد إلى التمزّق الداخلي والاقتتال الأهلي. فأقصر سبيل إلى ذلك إنّما هو اليقين الفولاذي.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
«العدوان الأعنف على لبنان» أين توزّعت الضربات؟
مئة غارة إسرائيلية على لبنان بعشر دقائق
البنود الإيرانيّة العشرة
استهداف إسعاف في القليلة والحرب على لبنان مستمرّة
زعيم المعارضة الإسرائيلية: الهدنة كارثة سياسيّة
8 شهداء على الأقلّ في صيدا