قضية الأسبوع النظام
ميغافون ㅤ

أسبوع طيّ صفحات من الماضي

وثيقة وفاة «جمهورية الطائف»

15 آب 2026

نظام ما بعد الحرب، نظام الطائف، نظام الوصايات

منذ عام 2019، وهناك إحساس جامع بأنّ نظامنا «انتهى»، ليس بالضرورة جرّاء الاعتراض عليه، بل تحت وطأة تناقضاته الداخلية. ولا يقتصر هذا الإحساس على نقّاد النظام، بل حتى عند المدافعين عنه.

نظام ما بعد الحرب، نظام الطائف، نظام الوصايات، الأسماء تتعدّد لالتقاط هذا التركيب السياسي والمالي والاقتصادي والأمني والثقافي الذي حكم لبنان لأكثر من ثلاثة عقود قبل أن يتفكّك. كنّا شهود عيان على انهياره، وكنّا ضحايا انهياره منذ بدء المسار التحلّلي في عام 2019، أو 2018 أو 2015 أو 2012، أو حتى 2005.

استعملت كل العبارات لالتقاط هذا الانهيار، من عبارة غرامشي الشهيرة، «العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يكافح كي يولد، وفي هذا الزمن الفاصل تظهر الوحوش»، إلى تحذير أدورنو من بربرية الثقافة بعد الفاجعة، وصولًا إلى تردادنا اليومي لسلسلة المآسي التي واكبت هذا المسار، «الانهيار- الانفجار- الإبادة». استعملت كل العبارات واستُنفدت حتى بات الانهيار يشبه حالة ثابتة، صلبة، لا تعبّر عن حركة بل عن جمود قاتل.   

طال زمنُ احتضار نظام ما بعد الحرب إلى حدّ أنّنا طبّعنا مع حالة الموت السريريّ هذه. فبعد سنوات من العيش في ظل نظام يحتضر، تثبّتت حالة الانهيار وقضت على أي إمكانية لفصل الماضي عن الحاضر، حتى ما عدنا نتفاجأ من أيّ جديد، إن حصل، أو نصدّق أنّ شيئاً قد انتهى.  

صُوَر من عالم ولّى

بأقلّ من أسبوع، مرّ عدد من الأخبار وكأنّها طبيعية، عادية، لا تستدعي التوقّف عندها، كونها تكراراً مملّاً لحقائق ندركها مسبقاً. لكنّ كل خبر من سلسلة الأخبار هذه، يطوي صفحة كانت مفصلية في بناء نظام ما بعد الحرب الأهلية في لبنان. كل خبر من سلسلة الأخبار هذه، يعلن على طريقته تفكّك هذا التركيب السياسي والمالي والأمني والثقافي الذي حكمنا. ومجموع هذه الأخبار يقدّم مسودة لوثيقة وفاة نظام ما بعد الحرب. 

حكم الإعدام لبشار الأسد

حكمت محكمة الجنايات في دمشق على بشار الأسد بالإعدام، لارتكابه جرائم القتل والتحريض على القتل، إلى جانب ابن خالته، عاطف نجيب، الذي كان مسؤول الأمن في درعا عند اندلاع الثورة السورية. مرّ الخبر وكأنّه بات طبيعيًا بعد سنتين على سقوط بشار وفراره إلى موسكو، وصعود نظام جديد مع أسئلته ومجازره ومساراته. مرّ الخبر وكأنّه تفصيل في سيرورة العدالة الانتقالية السورية. لكنّ حُكم الإعدام يفوق حدود السياسة الحالية ليجسد نهاية الركن الإقليمي لنظام ما بعد الحرب المتجسّد بآل الأسد. فقبل أقلّ من سنتين، كان الأسد من ثوابت الشرق الأوسط، أمّا اليوم، فهو محكوم بالإعدام. 

عودة رياض سلامة إلى السجن

نظام ما بعد الحرب كان تركيباً أمنياً وماليّاً. وإذا كان الإعدام مصير جانبه الأوّل، فالسجن هو مصير مهندس الجانب المالي. فبعد توقيف رياض سلامة في سجن رومية بدعوى تتعلّق بصفقتَيْن مع بنك عودة وبنك ميد، وهما مصرفان ارتبط اسمهما بمرحلة ما بعد الحرب وهندساتها المالية، ادّعى النائب العام الاستئنافي مجددًا على سلامة بعدد من الجرائم المالية والنقدية. لم يكن سلامة مجرّد مهندس للسياسة المالية بعد الحرب، هذه السياسة التي انهارت ومعها الاقتصاد اللبناني، بل كان رمزها الأساسي، الحائز على جائزة أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم في عام 2006. من رمز النجاح اللبناني إلى سجن رومية، صفحة «معجزة» إعادة الإعمار انطوت لتتبيّن حقيقتها كعملية احتيال مالي وعقاري على حساب بلد بأكمله. 

السجال حول التمديد لسوليدير

قام نظام ما بعد الحرب على تزواج النظام المالي مع القطاع العقاري. ومع انهيار الأول، بات مصير الثاني مشابهًا. وفي وسط هذا القطاع، كانت مؤسسة «سوليدير»، التي لم تكن مسؤولة عن إعادة إعمار وسط بيروت وحسب، بل تحوّلت أيضاً إلى نموذج للاقتصاد اللبناني القائم على المضاربات والصفقات، وفرضت منطقها على القطاع بأكمله. حاولت الشركة التهرّب من مصير نظام ما بعد الحرب، خاصة بعدما تغيرت ملكيتها، فكان رد الحكومة بفرض شروط على شركة الامتيازات التي لم تعتَدْ على أن تقابَل مطالبها بشروط، مهما كانت بسيطة. عودة السجال حول سوليدير هو ركن آخر من نظام ما بعد الحرب الذي ينهار اليوم. 

إقرار قانون العفو العام

جاء إقرار قانون العفو العام ليطوي صفحة أخرى من نظام ما بعد الحرب، وهو شيطنة قوى إسلامية، قاومت حزب الله والنظام السوري، مع اندلاع الثورة السورية. لكنّ شيطنة الإسلاميين تعود إلى ما قبل الثورة السورية، نتيجة الخلاف التاريخي بين هذه القوى وسلطة الوصاية السورية، ما جعل هذه القوى الخصم الذي لا مكان له في أيّ تسوية ضمن قواعد النظام السابق. جاء إقرار هذا القانون ليعلن أن هواجس النظام السابق لا مكان لها في لبنان بعد انهياره، ويطوي صفحةً من الظلم لم يكن لها مناصر لعقود من الزمن.  

إقرار قانون جديد للإعلام

لم يصمد نظام ما بعد الحرب فقط جرّاء قوّة قبضته الأمنية ومدى فساد اقتصاده، بل أيضًا جراء سيطرته على القطاع الإعلامي وتطويعه، وهو ما كان ممكنًا، جزئيًا، من خلال قانون إعلام عام 1994، الذي شرعنَ السيطرة السياسية على القطاع. بعد أكثر من عقد ونصف من التفاوض والنقاش والتعديلات، تمّ إقرار قانون جديد للإعلام، ما زالت تشوبه بعض المشاكل، لكنّه يحرّر العمل الصحفي من تهديد ملاحقات السياسيين. فمع تحرير العمل الإعلامي، يتفكّك ركن آخر من نظام ما بعد الحرب. 

إلغاء عقوبة الإعدام

لم تكن عقوبة الإعدام بالضرورة من أسس نظام ما بعد الحرب، لكنّها كانت رمزًا عن مادة يجب إلغاؤها، وبقيت الطبقة السياسية تماطل باتخاذ هذا القرار، حتى انهار النظام. كانت مثلًا عن إصلاحات، «سهلة» كونها لا تواجه معارضة فعلية، لكنّ السلطة السياسية لم تجد آنذاك الرغبة بتمريرها كونها كانت تفتقد لأيّ تطلّع إصلاحي، حتى السهل منه. مرّ التعديل ليطرح سؤالاً عن كل المواد التي كان من الممكن تعديلها، لو أنّ السلطات التي تعاقبت على الحكم في العقود الأخيرة أبدت أبسط التطلعات الإصلاحية. 

عن جديد يبحث عن مقاومته

مرّت كل هذه الأخبار وكأنّها طبيعية، ربّما لأنّ مرحلة الاحتضار طالت، ما أفقدنا قدرتنا على إدراك حجم التحوّلات التي نعيشها. ففي أسبوع واحد، صدرت قرارات كان من شبه المستحيل تخيّلها قبل بضع سنوات: بشار الأسد محكوم بالإعدام، رياض سلامة في السجن، سوليدير تحاول الاستمرار، قضية الإسلاميين على طرق الحل، الإعدام بات وراءنا، الإعلام صار له قانون جديد… 

ربّما لم نعد نتفاجأ بطبيعة الواقع الجديد لأنّ الجديد لم يأتِ ناصعاً وواضحاً كما كانت توقّعاتنا عنه عندما كنّا قابعين في ظل النظام السابق. بل جاء ممزوجًا بمجازر جديدة في سوريا ومصارف تحاول الإفلات من العقاب وانهيار اقتصادي ومالي لم ينتهِ بعد، وحرب إباديّة تتوسّع كلّ يوم. انهار النظام السابق، وكان هذا الأسبوع بمثابة وثيقة وفاة رسمية له. لكنّ الوفاة جاءت في ظل عنف ودمار، ليُدفَن هذا الجديد تحت ركامه. 

وربّما لم نتفاجأ لأنّنا بتنا مدركين أنّ لا وقت للاحتفال بما سقط، مهما كان شنيعًا، لكون بوادر النظام الجديد، غير الواضحة بعد، تتطلب ابتكار أدوات جديدة لمقاومتها. فإذا كان هذا الأسبوع بمثابة اعتراف رسمي بانهيار النظام السابق، فهذا يعني أنّنا صرنا نعيش تحت وطأة نظام، أو أنظمة جديدة تفرض علينا مقاومات مختلفة. في ظل هذه المعركة القادمة مع الحاضر، ليس هناك وقت للاحتفال بسقوط الماضي.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
قضية الأسبوع

أسبوع طيّ صفحات من الماضي

ميغافون ㅤ
حدث اليوم - الجمعة 14 آب 2026
14-08-2026
أخبار
حدث اليوم - الجمعة 14 آب 2026
6 حجج ضدّ عقوبة الإعدام
14-08-2026
تقرير
6 حجج ضدّ عقوبة الإعدام
بعد محاصرتهما خمسة أيّام: الاحتلال يُهجّر عائلتين فلسطينيّتين من قُصرة
من المشانق إلى الإلغاء: قصة الإعدام في لبنان
13-08-2026
مراجعة
من المشانق إلى الإلغاء: قصة الإعدام في لبنان
حدث اليوم - الخميس 13 آب 2026